كشفت منظمة “هيومن رايتس ووتش” في تقرير جديد عن استخدام جيش الاحتلال الإسرائيلي قذائف مدفعية تحتوي على الفوسفور الأبيض فوق بلدة يحمر في جنوب لبنان في التاسع من آذار/مارس 2026، في حادثة تعيد إلى الواجهة ملف الأسلحة المحرمة التي استخدمها الاحتلال مراراً في مناطق مأهولة بالسكان. ويُعد الفوسفور الأبيض من الأسلحة الحارقة الخطيرة التي تثير جدلاً قانونياً واسعاً في القانون الدولي الإنساني، إذ يؤدي انفجاره في الهواء إلى انتشار شظايا مشتعلة يمكن أن تحرق الجلد والعظام وتسبب إصابات دائمة أو الوفاة.
وأوضحت المنظمة أن القذائف أُطلقت فوق منطقة مدنية مأهولة، ما يعني أن استخدامها كان عشوائياً وخطيراً على السكان، وهو ما يضع هذه الهجمات ضمن دائرة الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني. ويزداد الجدل حول هذه الواقعة في ظل تاريخ طويل من الاتهامات التي لاحقت جيش الاحتلال باستخدام هذا النوع من الأسلحة في غزة ولبنان خلال السنوات الماضية، رغم الانتقادات الدولية الواسعة.

الفوسفور الأبيض.. سلاح حارق يثير الرعب بين المدنيين
الفوسفور الأبيض مادة كيميائية شديدة الاشتعال تستخدم عسكرياً غالباً لأغراض التمويه أو خلق ستار دخاني، إلا أن إطلاقه فوق مناطق سكنية يحوله إلى سلاح حارق شديد الخطورة. فعند انفجار القذائف، تنتشر جسيمات الفوسفور المشتعلة في الهواء قبل أن تسقط على الأرض أو على أجساد البشر، حيث تواصل الاشتعال عند ملامستها للأكسجين.
وتشير تقارير طبية إلى أن حروق الفوسفور الأبيض تعد من أخطر الإصابات العسكرية، إذ يمكن أن تخترق الجلد وتصل إلى العظام، كما أن بقايا المادة قد تستمر في الاشتعال حتى بعد محاولة إطفائها بالماء. لهذا السبب يُعد استخدامه ضد مناطق مدنية خرقاً واضحاً لمبادئ التمييز والتناسب المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني.
ويرى خبراء القانون الدولي أن إطلاق هذا النوع من الذخائر في مناطق مأهولة يرقى إلى مستوى الجريمة المحتملة، خاصة إذا كان الهدف عسكرياً محدوداً أو غير واضح، وهو ما ينطبق في كثير من الحالات التي وثقتها المنظمات الحقوقية في النزاعات الأخيرة.
سجل طويل من الاتهامات باستخدام الأسلحة المحرمة
ليست حادثة بلدة يحمر الأولى من نوعها في سجل المواجهات بين الاحتلال وإقليم جنوب لبنان. فقد وثقت منظمات حقوقية عديدة خلال السنوات الماضية استخدام الجيش الإسرائيلي للفوسفور الأبيض في مناطق مختلفة، خصوصاً خلال التصعيد الذي شهدته الحدود اللبنانية بين عامي 2023 و2024.
وخلال تلك الفترة، سجلت تقارير حقوقية سقوط أكثر من 217 لبنانياً بين قتيل وجريح نتيجة القصف المتواصل، إضافة إلى نزوح مئات الآلاف من سكان القرى الحدودية. كما أشارت تلك التقارير إلى أن استخدام الأسلحة الحارقة أدى إلى تدمير مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والغابات، ما تسبب بأضرار بيئية واقتصادية كبيرة.
ويرى مراقبون أن تكرار هذه الاتهامات يعكس نمطاً ثابتاً في العمليات العسكرية الإسرائيلية، يقوم على استخدام قوة نارية مكثفة في مناطق قريبة من التجمعات السكانية، وهو ما يرفع من احتمالات وقوع ضحايا مدنيين.
تداعيات قانونية محتملة واتهامات بارتكاب جرائم حرب
يثير توثيق استخدام الفوسفور الأبيض تساؤلات قانونية خطيرة حول مدى التزام إسرائيل بالقانون الدولي الإنساني. فالاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها البروتوكول الثالث لاتفاقية الأسلحة التقليدية، تحظر استخدام الأسلحة الحارقة ضد المدنيين أو في المناطق المأهولة بالسكان.
ورغم أن إسرائيل لم تصادق على بعض هذه الاتفاقيات، إلا أن قواعد القانون الدولي العرفي تفرض قيوداً واضحة على استخدام هذا النوع من الأسلحة. لذلك يرى خبراء قانونيون أن أي استخدام للفوسفور الأبيض بطريقة عشوائية أو ضد مناطق مدنية يمكن أن يشكل أساساً لاتهامات بارتكاب جرائم حرب.
وقد دعت منظمات حقوقية المجتمع الدولي إلى فتح تحقيقات مستقلة في هذه الحادثة، معتبرة أن الإفلات المستمر من المساءلة يشجع على تكرار مثل هذه الانتهاكات. كما طالبت بإرسال بعثات تحقيق دولية لتوثيق الأضرار وتحديد المسؤوليات القانونية.
تصعيد خطير يهدد بتوسيع دائرة الصراع
تأتي هذه الحادثة في وقت يشهد فيه جنوب لبنان توتراً عسكرياً متزايداً، حيث تتكرر عمليات القصف المتبادل بين الاحتلال والمقاومة اللبنانية. ويخشى مراقبون أن يؤدي استخدام أسلحة مثيرة للجدل مثل الفوسفور الأبيض إلى تصعيد أكبر في المواجهة، خاصة إذا تزايدت الخسائر المدنية.
كما أن تكرار هذه الحوادث يضع المنطقة أمام خطر انزلاقها إلى مواجهة أوسع قد تتجاوز حدود الاشتباكات المحدودة. فالقصف الذي يطال القرى الحدودية لا يهدد المدنيين فحسب، بل يزيد أيضاً من احتمالات توسع الحرب إلى جبهات أخرى في المنطقة.
جرائم متكررة وسط غياب المساءلة الدولية
في ضوء هذه التطورات، يرى محللون أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في استخدام الأسلحة المحرمة، بل في غياب آليات دولية فعالة لمحاسبة المسؤولين عنها. فقد وثقت منظمات حقوقية عديدة خلال السنوات الماضية انتهاكات متعددة في غزة ولبنان، إلا أن معظمها لم يصل إلى مرحلة المحاسبة الفعلية.
ويرى مراقبون أن استمرار هذا الواقع يكرس حالة من الإفلات من العقاب، ويشجع على تكرار الانتهاكات في النزاعات المستقبلية. لذلك يطالب نشطاء حقوق الإنسان بضرورة تحرك دولي جاد يضع حداً لاستخدام الأسلحة الحارقة ضد المدنيين، ويضمن محاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم.
وفي ظل استمرار الحرب في المنطقة، تبقى حادثة بلدة يحمر مثالاً جديداً على الكلفة الإنسانية الباهظة للنزاعات المسلحة، وعلى المخاطر التي يواجهها المدنيون عندما تتحول مناطقهم إلى ساحات مفتوحة للأسلحة الأكثر فتكاً وإثارة للجدل في الحروب الحديثة.
اقرأ أيضًا : تدمير رادارات بعض دول الخليج يربك الإنذار المبكر ويكشف ثغرات الدفاع الإقليمي