دخلت المواجهة بين جيش الاحتلال الإسرائيلي و”حزب الله” مرحلة أكثر خطورة، بعد إعلان الجيش الإسرائيلي، الإثنين، بدء عملية توغل بري وصفها بـ”المركزة” في مناطق جنوب لبنان، في خطوة تعكس تصعيداً ميدانياً جديداً قد يفتح الباب أمام مواجهة أوسع على الجبهة الشمالية لفلسطين المحتلة.
وأعلن جيش الاحتلال أن الفرقة 91 بدأت تنفيذ العملية البرية داخل الأراضي اللبنانية، في إطار ما قال إنه استهداف مباشر لبنية “حزب الله” العسكرية قرب الحدود. وتعد هذه الفرقة من الوحدات الأساسية المسؤولة عن الجبهة الشمالية، وتملك خبرة طويلة في العمليات الحدودية، ما يشير إلى أن التحرك العسكري ليس خطوة تكتيكية محدودة فحسب، بل قد يكون جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل قواعد الاشتباك في المنطقة.
ونقلت وسائل إعلام عبرية عن مسؤول عسكري قوله إن القتال في لبنان قد يستمر حتى نهاية شهر مايو، مضيفاً أن قوات الاحتلال ستبقى في جنوب لبنان “طالما تطلب الأمر”، وأن المهمة العسكرية الجارية “غير محددة زمنياً”، وهو تصريح يعكس استعداد المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لخوض مواجهة طويلة نسبياً إذا اقتضت الظروف.

طلب تعبئة واسعة لقوات الاحتياط
في موازاة التحرك الميداني، كشفت الإذاعة العبرية أن جيش الاحتلال يستعد لطلب مصادقة الحكومة على رفع عدد قوات الاحتياط إلى نحو 450 ألف جندي، في خطوة تعكس حجم القلق داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من احتمال توسع المواجهة.
ويعد هذا الرقم من أكبر عمليات التعبئة العسكرية في تاريخ الاحتلال، إذ يشير إلى أن الجيش يدرس بجدية سيناريو تنفيذ عملية برية واسعة النطاق داخل لبنان، أو الاستعداد لحرب متعددة الجبهات في حال تدخل أطراف إقليمية أخرى في الصراع.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تعكس أيضاً حالة الاستنزاف التي يعاني منها الجيش الإسرائيلي نتيجة تعدد الجبهات المفتوحة، خاصة في ظل استمرار الحرب في غزة، وتصاعد الهجمات على الحدود اللبنانية، إضافة إلى التوترات الإقليمية المتزايدة.
حزب الله يرد بسلسلة عمليات عسكرية
في المقابل، أعلن “حزب الله” تنفيذ خمس عمليات عسكرية ضد تجمعات وآليات لجيش الاحتلال في مناطق متفرقة من جنوب لبنان منذ فجر الإثنين، مؤكداً أن هذه العمليات تأتي في إطار “الدفاع عن لبنان وشعبه”.
وأوضح الحزب في بيانات متتالية أنه استهدف بصليات صاروخية تجمعات لجنود الاحتلال في موقع هضبة العجل شمال مستوطنة كفاريوفال مرتين متتاليتين، كما استهدف تجمعاً آخر عند بوابة هونين مقابل بلدة مركبا الحدودية.
كما أعلن الحزب قصف تجمع لآليات وجنود الاحتلال في منطقة جديدة ميس الجبل، إضافة إلى استهداف الموقع العسكري المستحدث في جبل الباط في بلدة عيترون الحدودية بقذائف المدفعية، مؤكداً تحقيق إصابات مباشرة في صفوف القوات الإسرائيلية.
وتعكس هذه العمليات، بحسب مراقبين، قدرة الحزب على الرد السريع على أي تحرك بري إسرائيلي، ومحاولة فرض معادلة ردع تحول دون تمكن القوات الإسرائيلية من التوغل بسهولة داخل الأراضي اللبنانية.
الجنوب اللبناني يعود إلى قلب المواجهة
تشير التطورات الميدانية الأخيرة إلى أن الجنوب اللبناني عاد مجدداً ليكون أحد أهم ميادين المواجهة في الصراع الإقليمي المتصاعد. فبعد سنوات من الهدوء النسبي عقب حرب عام 2006، باتت الحدود اللبنانية الإسرائيلية اليوم واحدة من أكثر الجبهات توتراً في الشرق الأوسط.
ويرى محللون أن أي توغل بري إسرائيلي داخل لبنان يحمل مخاطر كبيرة، نظراً لطبيعة الأرض المعقدة، إضافة إلى القدرات العسكرية التي راكمها “حزب الله” خلال السنوات الماضية، سواء من حيث الصواريخ الدقيقة أو منظومات الدفاع والتكتيكات القتالية.
كما أن الحزب يعتمد على شبكة واسعة من التحصينات والأنفاق والبنية العسكرية المنتشرة في القرى الحدودية، وهو ما قد يحول أي تقدم بري إسرائيلي إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة.
أبعاد إقليمية واحتمالات توسع الحرب
لا يمكن فصل التصعيد على الجبهة اللبنانية عن المشهد الإقليمي الأوسع، في ظل استمرار المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى.
فالجبهة اللبنانية تشكل إحدى أهم أوراق الضغط في الصراع الإقليمي، حيث ينظر إلى “حزب الله” باعتباره أحد أبرز حلفاء إيران في المنطقة، وقوة عسكرية قادرة على تهديد العمق الإسرائيلي بصواريخ بعيدة المدى.
وبالتالي فإن أي تصعيد كبير في جنوب لبنان قد يتجاوز كونه مواجهة حدودية محدودة، ليتحول إلى جزء من صراع إقليمي أوسع قد يشمل عدة أطراف.
الاحتلال يكرر سيناريو القوة العسكرية
في الوقت الذي يبرر فيه الاحتلال عملياته العسكرية بدعوى حماية أمنه القومي، يرى مراقبون أن استمرار اللجوء إلى الحلول العسكرية يعكس عجزاً سياسياً واضحاً عن معالجة جذور الصراع.
فالتوغل البري في جنوب لبنان، كما حدث في تجارب سابقة، قد يؤدي إلى تصعيد أكبر بدلاً من تحقيق الأمن الذي يدعيه الاحتلال، خصوصاً في ظل التوترات المتصاعدة في المنطقة.
ومع استمرار العمليات العسكرية والردود المتبادلة، يبدو أن المنطقة تقف مجدداً أمام مرحلة شديدة الحساسية، حيث قد تتحول أي مواجهة محدودة إلى شرارة لصراع أوسع يصعب احتواؤه في المدى القريب.
اقرأ أيضًا : اتهامات إيرانية لواشنطن باستنساخ مسيّرات “شاهد” وإشعال الفوضى في المنطقة