يثير القرار الإماراتي بمنع الإيرانيين من دخول البلاد أو حتى العبور عبر مطاراتها تساؤلات عميقة حول طبيعة المعايير التي تحكم السياسة الخارجية لأبوظبي. ففي الوقت الذي تُغلق فيه الدولة أبوابها بالكامل أمام مواطني دولة إقليمية، بغض النظر عن أوضاعهم القانونية أو الإنسانية، تواصل توسيع علاقاتها مع إسرائيل على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية.
هذا التباين لا يمكن فصله عن التحولات التي شهدتها المنطقة منذ اتفاقيات التطبيع، حيث اختارت الإمارات تموضعًا استراتيجيًا جديدًا، يقوم على تعزيز الشراكة مع تل أبيب، حتى في ظل تصاعد الانتقادات الدولية لسلوكها العسكري في المنطقة.

الأمن كذريعة أم أداة سياسية؟
تُبرر الإمارات قرارها بدواعٍ أمنية في ظل الهجمات الإيرانية الأخيرة، لكن شمول القرار لجميع الإيرانيين، بمن فيهم المقيمون وحاملو التأشيرات السارية، يفتح الباب أمام تفسير آخر: استخدام الأمن كغطاء لسياسات ذات أبعاد سياسية أوسع.
فالإجراءات الأمنية التقليدية تستهدف التهديدات المباشرة، لا الجنسيات بشكل جماعي. أما توسيع نطاق المنع ليشمل فئات مدنية بالكامل، فيوحي بأن الرسالة تتجاوز الحماية إلى إعادة رسم خطوط الاصطفاف الإقليمي.
ازدواجية في المعايير الإقليمية
الانتقادات الموجهة للإمارات تتركز على ما يُنظر إليه كازدواجية واضحة: تشدد تجاه طرف إقليمي (إيران) يصل إلى حد الإقصاء الكامل، مقابل مرونة عالية في التعامل مع إسرائيل، رغم كونها طرفًا رئيسيًا في صراعات دموية مستمرة في المنطقة.
هذه الازدواجية تطرح تساؤلًا جوهريًا: هل تُبنى السياسات على أساس المبادئ، أم على أساس التحالفات والمصالح؟ بالنسبة لكثير من المراقبين، فإن ما يحدث يعكس انتقالًا من سياسة التوازن التقليدية إلى سياسة الاصطفاف الحاد.
تكلفة سياسية وإنسانية متزايدة
هذا النهج لا يخلو من تداعيات، سواء على المستوى الإنساني أو السياسي. فحرمان آلاف الأشخاص من الدخول أو العودة إلى أماكن إقامتهم يخلق أزمات فردية وعائلية، ويضع الإمارات أمام انتقادات تتعلق بالتمييز الجماعي.
أما سياسيًا، فقد يؤدي هذا التوجه إلى تعميق الفجوة مع إيران، وتقليص فرص التهدئة، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى قنوات تواصل أكثر من أي وقت مضى.
خلاصة المشهد
ما تكشفه هذه التطورات هو أن الإمارات تعيد صياغة دورها الإقليمي وفق أولويات جديدة، لكنها في الوقت ذاته تواجه تحديًا متزايدًا في تبرير التناقض بين خطاب الانفتاح الذي تتبناه عالميًا، والإجراءات الإقصائية التي تطبقها في لحظات التوتر.
وبينما تستمر في تعزيز علاقاتها مع إسرائيل، فإن قرارات مثل منع الإيرانيين تضعها في مواجهة أسئلة صعبة حول العدالة، والاتساق، وحدود البراغماتية السياسية.
اقرأ أيضا : تصاعد خطاب الكراهية ضد المسلمين في الكونغرس الأمريكي وسط توترات الحرب مع إيران