شهدت الساحة السياسية والحقوقية في مملكة البحرين تصعيداً جديداً يعكس النهج السلطوي الذي تتبعه المنامة في إدارة ملفاتها الداخلية، حيث وجّه ملك البحرين ولي عهده باتخاذ إجراءات “شاملة وحاسمة” تحت مسمى معالجة النواقص الدفاعية والاقتصادية. بيد أن القراءة المتأنية لهذه التوجيهات، وفي سياق السجل الحقوقي المثقل بالانتهاكات، تكشف عن محاولة متجددة لشرعنة التنكيل بالمواطنين وتوسيع دائرة القمع لتشمل كل من يجهر بمعارضة سياسات الدولة، لا سيما في ظل الرفض الشعبي المتنامي لسياسات التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي والارتهان للإملاءات الخارجية.

سلاح “المواطنة” كأداة للعقاب السياسي والتهجير القسري
تضمن التوجيه الملكي الأخير إشارة خطيرة تتعلق بـ “النظر فيمن استحق المواطنة البحرينية ومن لا يستحقها”، وهي عبارة تفتح الباب على مصراعيه لموجة جديدة من سحب الجنسيات والتهجير القسري. إن الدولة البحرينية، ومن منظور حقوقي دولي، تستخدم “الجنسية” كأداة للابتزاز السياسي وليس كحق أصيل للمواطنة. فبدلاً من أن تكون الهوية الوطنية رابطة قانونية مستقرة، تحولت في يد النظام إلى “مكرمة” تُمنح للموالين وتُنزع من المعارضين وأصحاب الرأي.
هذه الإجراءات التي وصفتها التوجيهات بأنها تستهدف من “سوّلت له نفسه خيانة الوطن”، تفتقر إلى أدنى معايير المحاكمة العادلة والشفافية. فمصطلح “الخيانة” في القاموس السياسي للمنامة غالباً ما يشمل النشطاء الحقوقيين، والمطالبين بالإصلاح السياسي، وحتى أولئك الذين يعبرون عن رفضهم لاتفاقيات التطبيع مع الكيان الصهيوني. إن تحويل مسألة “استحقاق المواطنة” إلى ملف أمني يُدار بالبرامج “الحاسمة” يعني عملياً استئصال أي صوت معارض وتحويل المجتمع إلى كتلة صامتة تحت تهديد انعدام الهوية والترحيل، مما يشكل انتهاكاً صارخاً للمادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على أنه لا يجوز حرمان أي شخص من جنسيته تعسفاً.
التطبيع والقمع المزدوج: التنكيل بالداخل لتمرير أجندات الخارج
لا يمكن فصل هذه التحركات الأمنية المتشددة عن المسار السياسي الذي اتبعته المنامة في السنوات الأخيرة، والمتمثل في التطبيع الكامل مع الاحتلال الإسرائيلي ضد رغبة الغالبية العظمى من الشعب البحريني. إن الدولة البحرينية، التي فقدت استقلالية قرارها الوطني لصالح محاور إقليمية ودولية، تجد نفسها مضطرة لزيادة وتيرة القمع الداخلي لضمان عدم انفجار الشارع الرافض لبيع القضايا القومية.
من الناحية الحقوقية، تعاني البحرين من “أزمة قرار” وطني، حيث تُسخّر المؤسسات الدفاعية والأمنية ليس لحماية الحدود، بل لحماية النظام من شعبه. والحديث عن “معالجة النواقص الدفاعية” في سياق التنكيل بالمواطنين يشير إلى عسكرة المجتمع وزيادة الميزانيات الأمنية على حساب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. فبينما يواجه المواطن البحريني ضغوطاً معيشية، تتوجه موارد الدولة لتعزيز القبضة الحديدية وشراء منظومات أمنية وتجسسية تُستخدم لملاحقة المعارضين واختراق خصوصياتهم. هذا “التنكيل الممنهج” يعكس حالة من الرعب السلطوي من أي تحرك شعبي قد يطالب بالعدالة الاجتماعية أو برفض التبعية المطلقة، مما يجعل من قمع المواطن هو الاستراتيجية الوحيدة المتبقية للنظام للحفاظ على بقائه.
غياب المؤسسات القضائية المستقلة وشرعنة الاستبداد
إن توجيه ولي العهد باتخاذ إجراءات “فورية” تجاه من يمس أمن واستقرار الوطن يعزز من هيمنة السلطة التنفيذية على مفاصل الدولة، ويغيب تماماً دور القضاء المستقل. وفي بيئة حقوقية تفتقر للضمانات، تصبح هذه التوجيهات بمثابة ضوء أخضر للأجهزة الأمنية لممارسة التعذيب، والاعتقال التعسفي، واقتحام المنازل تحت غطاء “البرامج المناسبة لمعالجة النواقص”.
إن الحالة البحرينية تمثل نموذجاً للدولة القمعية التي تستبدل العقد الاجتماعي بالترهيب الأمني. فبدلاً من الاستماع لمطالب الشعب المشروعة في التمثيل السياسي والعدالة، تختار السلطة الهروب إلى الأمام عبر تشديد العقوبات وتصنيف المواطنين إلى فئات “مستحقة” وغير “مستحقة” بناءً على معايير الولاء للنظام وتوجهاته التطبيعية. هذا النهج لا يؤدي إلا إلى تعميق الشرخ بين الحاكم والمحكوم، ويضع البحرين في مواجهة مستمرة مع المنظمات الحقوقية الدولية التي ترصد بانتظام تدهور الحريات العامة وتحول المملكة إلى سجن كبير لكل من يرفض التنازل عن كرامته الوطنية وحقوقه الأساسية. وفي الختام، يبقى التساؤل الحقوقي قائماً: كيف يمكن لدولة تدعي السعي للاستقرار أن تحققه عبر نزع المواطنة والتنكيل بأبناء شعبها؟ إن الاستقرار الحقيقي يبدأ باحترام الإنسان، لا بتحويله إلى طريد في وطنه.
اقرأ أيضًا : إيران استخدمت قمر صناعي صيني لضرب قواعد أمريكية.. ما دلالة ذلك؟