في الوقت الذي ترزح فيه الدولة المصرية تحت وطأة ديون خارجية تجاوزت 163.9 مليار دولار، وتستعد لدفع فاتورة باهظة من الأقساط والفوائد تصل إلى 38.65 مليار دولار خلال العام الجاري، يواصل النظام برئاسة عبد الفتاح السيسي الهروب إلى الأمام عبر مشروعات “الخرسانة الفاخرة”. فبين “أبراج البحر الأحمر” ومدن الصحراء المليارية، تبرز ملامح فشل اقتصادي بنيوي وفساد مؤسسي يكرس موارد الدولة لخدمة “النخبة العسكرية” والطبقة المخملية، متجاهلاً أنين ملايين المصريين تحت وطأة الغلاء والتقشف.

أبراج الجلالة و”ذا سباين”: استنزاف الموارد في قطاع ميت
لم يمضِ أسبوع على إعلان الحكومة عن مشروع “ذا سباين” (The Spine) شرق القاهرة بتكلفة فلكية بلغت 1.4 تريليون جنيه (27 مليار دولار)، حتى خرج السيسي ليوجه باستكمال أبراج مدينة الجلالة وفنادقها الفاخرة. هذه المشروعات تعكس انفصالاً تاماً عن الواقع؛ حيث يؤكد الخبراء أن توجيه الأراضي والتمويل والعملة الصعبة نحو العقارات الفاخرة بدلاً من الصناعة والزراعة، هو “نمو ظاهري” يخفي خلفه انهياراً حقيقياً للقدرة الإنتاجية للبلاد.
ويرى الدكتور أحمد ذكرالله، الخبير الاقتصادي، أن هذه التحركات تحمل مخاطر حادة، أولها تبديد الموارد في قطاعات غير ملحة، مما يضعف الأثر على النمو الحقيقي. كما تبرز مشكلة “ضعف الطلب الفعلي”، حيث تتحول هذه الأصول في العاصمة الإدارية والجلالة إلى وحدات غير مستغلة موجهة للمضاربة، مما يعني تجميد رأس المال بدلاً من تدويره في مشروعات إنتاجية تخلق قيمة مضافة.
فساد “الأولويات” وتغول المؤسسة العسكرية
المشهد في مدينة الجلالة لم يكن اقتصادياً فحسب، بل كان تجسيداً لفساد الإدارة وتغول المؤسسة العسكرية على حساب العمل المدني المهني. فبينما يغيب الوزراء الفنيون، يشرف السيسي وسط كوكبة من العسكريين على مخططات الهيئة الهندسية للقوات المسلحة. هذا الاحتكار العسكري للاقتصاد أدى إلى كوارث ميدانية تعكس الفشل في التنفيذ؛ مثل طريق (العين السخنة/الزعفرانة) الذي كلف 4 مليارات جنيه ثم تبين وجود عيوب إنشائية جسيمة به تسببت في حوادث دموية، كان آخرها فاجعة طلاب جامعة الجلالة.
علاوة على ذلك، يظهر الفساد في نظام “المزاحمة”؛ حيث تزاحم الحكومة والقطاع العقاري المدعوم منها كافة القطاعات الأخرى للحصول على التمويل البنكي. هذا التغول أجهض محاولات الشركات الصغيرة والمتوسطة للصمود، نظراً للامتيازات الممنوحة للمقربين من النظام، مثل أسعار الأراضي الزهيدة وتسهيلات القروض، مما أدى لرفع أسعار العقارات بنسب جنونية وصلت إلى 300%، وهو ما عجز عنه أغلب المصريين.
سياسة “تجميل الواجهة” وترك الجوهر
ينتقد المحللون توجه الدولة نحو “اقتصاد يبني مدناً ويهمل إنتاجاً”، محذرين من ركود مؤكد يحتم إعادة ترتيب الأولويات. ففي الوقت الذي تفرض فيه الحكومة قرارات التقشف وترفع أسعار الطاقة والكهرباء على الفقراء، تواصل دعم قطاع العقارات الفاخر عبر تخفيض الرسوم للمطورين في الساحل الشمالي وإسناد الإدارة لشركات عالمية، مما يقلل من العوائد الحقيقية للدولة.
إن إصرار السيسي على بناء “مدن الأشباح” في الصحراء هو تجسيد لسياسة “عكس الاتجاه”؛ حيث يُهدر 1.4 تريليون جنيه في خرسانة صماء بدلاً من بناء مصانع ومزارع. هذا الفشل في قراءة الواقع الاقتصادي يؤكد أن النظام يفضل “ما يُرى” بالعين لتسويق نجاحات وهمية، تاركاً قطاع الإنتاج الحقيقي في الظل، مما يضع مستقبل مصر الاقتصادي في مهب الريح ويحول مواردها المحدودة إلى استثمارات مجمدة تخدم فئة لا تتجاوز 5% من السكان.
اقرأ أيضًا : نتنياهو يترنح تحت وطأة الفشل: البحث عن “كبش فداء” للتغطية على هزيمة الاحتلال في لبنان