تواجه العلاقات الأوكرانية الإسرائيلية اختباراً دبلوماسياً هو الأكثر خطورة منذ بدء الغزو الروسي، حيث تحولت أطنان القمح الأوكراني المنهوب إلى وقود لأزمة سياسية وقانونية كبرى. وبينما تندد كييف بما تصفه بـ “التربح من المسروقات”، يبرز موقف الاتحاد الأوروبي كنموذج فج لازدواجية المعايير؛ إذ سارعت بروكسل لإدانة “سرقة القمح” والتهديد بالعقوبات، بينما لا تزال تغض الطرف عن سرقة الأرض الفلسطينية المستمرة وحرب الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل في قطاع غزة.

سفينة “بانورميتيس” والقرصنة الروسية-الإسرائيلية

انفجرت الأزمة الأخيرة بعد رصد سفينة الشحن “بانورميتيس”، التي ترفع علم بنما، وهي تحاول الرسو في ميناء حيفا. ووفقاً لبيانات الملاحة البحرية وصحيفة “كييف إندبندنت”، غادرت السفينة ميناء كافكاز الروسي محملة بـ 6200 طن من القمح و19 ألف طن من الشعير، تؤكد السلطات الأوكرانية أنها نتاج عمليات نهب منظمة من الأراضي المحتلة في شرق وجنوب أوكرانيا.

استدعت وزارة الخارجية الأوكرانية السفير الإسرائيلي، “مايكل برودسكي”، في خطوة احتجاجية نادرة، محذرة من أن السماح بتفريغ هذه الشحنة يمثل “مشاركة في الجريمة”. وأوضح وزير الخارجية الأوكراني، أندريه سيبيها، أن بلاده تراقب كل حبة قمح تخرج من أراضيها، معتبراً أن قبول إسرائيل لهذه الشحنات يمثل “أزمة عميقة” في جذور العلاقات الثنائية لا يمكن تجاوزها بالكلمات الدبلوماسية الرقيقة.

تحقيقات “هآرتس”: تاريخ من تجارة “المال الحرام”

لم تكن “بانورميتيس” هي الواقعة الوحيدة، بل يبدو أنها قمة جبل الجليد. فقد كشف تحقيق موسع لصحيفة “هآرتس” الإسرائيلية عن تفريغ ما لا يقل عن أربع شحنات ضخمة من الحبوب الأوكرانية “المسروقة” في الموانئ الإسرائيلية منذ بداية العام الجاري.

هذا الإصرار الإسرائيلي على الاستمرار في شراء القمح المهرب، رغم التحذيرات المتكررة، دفع مصدراً دبلوماسياً أوكرانيًا رفيع المستوى للقول لموقع “أكسيوس”: “ما حدث يعد بمثابة صفعة على الوجه؛ لقد تجاهلت إسرائيل مطالبنا السابقة واستمرت في التربح من بضائع مسروقة، وهو أمر لا يليق بدولة تدعي الديمقراطية والقانون”. وأكد المصدر أن كييف “تحتفظ بحقها في ملاحقة إسرائيل قانونياً في المحافل الدولية”.

إدانة أوروبية انتقائية: القمح أولاً والدم الفلسطيني آخراً

في مشهد يعكس تهافت المنظومة الأخلاقية الدولية، سارع الاتحاد الأوروبي للتدخل. المتحدث باسم الشؤون الخارجية للاتحاد أكد أن بروكسل تدرس فرض عقوبات قاسية على الكيانات الإسرائيلية التي تساعد روسيا في الالتفاف على العقوبات الدولية عبر تجارة القمح.

هذا الموقف الأوروبي “المتشدد” تجاه سرقة القمح الأوكراني يثير تساؤلات مشروعة حول “صمم” بروكسل تجاه ما يحدث في فلسطين:

  • سرقة الأرض: بينما يهدد الاتحاد الأوروبي بعقوبات بسبب “قمح مسروق”، لم يتخذ خطوة واحدة جادة لوقف الاستيطان وتجريف الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية.
  • الإبادة الجماعية: تُدان إسرائيل في أروقة الاتحاد الأوروبي لأنها تشتري حبوباً من روسيا، لكنها تُعفى من الإدانة الحقيقية والعقوبات الاقتصادية رغم قتلها لعشرات الآلاف من المدنيين في غزة وتدميرها الممنهج للحياة الإنسانية هناك.

إن اهتمام بروكسل بـ “القمح” و”العقوبات الروسية” يتفوق بوضوح على اهتمامها بـ “حقوق الإنسان” وحق الشعب الفلسطيني في أرضه وحياته، مما يجعل من دفاعها عن أوكرانيا مجرد أداة سياسية مجردة من المبادئ.

مستقبل العلاقات: نحو صدام حتمي

تشهد العلاقات بين كييف وتل أبيب حالة من البرود الشديد؛ فإسرائيل التي تحاول “الرقص على الحبال” للحفاظ على علاقتها بموسكو، امتنعت عن تقديم أي دعم عسكري جدي لأوكرانيا. وبالمقابل، بدأ الرئيس الأوكراني زيلينسكي في تهميش إسرائيل دولياً، مستثنياً إياها من جولاته الدبلوماسية المهمة. ومع تحول الموانئ الإسرائيلية إلى “مستودعات للمنهوبات”، يبدو أن الطريق بات ممهداً لصدام قانوني دولي، حيث تجد إسرائيل نفسها متهمة بـ “السرقة” في جبهتين: سرقة قمح أوكرانيا في الشمال، وسرقة أرض فلسطين وإبادة شعبها في الجنوب.

اقرأ أيضًا : نتنياهو يترنح تحت وطأة الفشل: البحث عن “كبش فداء” للتغطية على هزيمة الاحتلال في لبنان