في انتهاك صارخ للقانون الدولي والإنساني، شنّت قوات الاحتلال الإسرائيلي، فجر اليوم الأربعاء، هجومًا عنيفًا على “أسطول الحرية” المتجه إلى قطاع غزة، أثناء إبحاره في المياه الدولية على بُعد نحو 220 كيلومترًا من سواحل القطاع المحاصر.

الأسطول، الذي يضم 10 سفن تقلّ عشرات النشطاء والبرلمانيين والأطباء والصحفيين من مختلف أنحاء العالم، كان يهدف إلى كسر الحصار البحري المفروض على غزة منذ أكثر من 18 عامًا، غير أنّه واجه مصيرًا مشابهًا لما تعرّض له “أسطول مرمرة” عام 2010، حين قتلت البحرية الإسرائيلية عشرة ناشطين أتراك في حادثة لا تزال حاضرة في الذاكرة الدولية كوصمة عار.

الحدث: هجوم مباغت في المياه الدولية

اللجنة الدولية لكسر الحصار عن غزة أعلنت، عبر منصّة “إكس”، أنّ الجيش الإسرائيلي هاجم الأسطول عند الساعة الرابعة فجرًا بتوقيت القدس، حيث حاصرت زوارق حربية إسرائيلية ثلاث سفن رئيسية هي: غزة صن بيردز، آلاء النجار، وأنس الشريف، قبل أن يصعد الجنود إليها بالقوة.

وأظهرت المقاطع المصوّرة التي نشرتها اللجنة مشاهد لجنود مدججين بالسلاح يعتلون السفن ويعتدون على المشاركين، فيما شوهدت عناصر إسرائيلية تحطّم كاميرات التوثيق في محاولة واضحة لطمس الأدلة.

كما ذكرت اللجنة أنّ سفينة “الضمير”، التي كانت تحمل على متنها 93 صحفيًا وطبيبًا وناشطًا إنسانيًا، تعرّضت لهجوم من مروحية إسرائيلية أطلقت النار التحذيرية وأجبرت الطاقم على التوقف، قبل أن يُقتاد الجميع نحو ميناء أشدود الإسرائيلي تحت حراسة مشددة.

الاعتداء، الذي وقع في المياه الدولية، يُعدّ جريمة حرب وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، إذ يحظر على أي دولة ممارسة العنف أو الاعتقال خارج مياهها الإقليمية، خصوصًا ضد سفن تحمل طابعًا إنسانيًا أو مدنيًا.

التبرير الإسرائيلي: “محاولة عبثية” لاختراق الحصار

في المقابل، حاولت الخارجية الإسرائيلية تبرير الهجوم ببيان مقتضب قالت فيه إنّ الأسطول “قام بمحاولة فاشلة لاختراق منطقة قتال” وإنّ “الركّاب آمنون وسيتم ترحيلهم قريبًا”، على حدّ زعمها.

لكنّ الرواية الإسرائيلية قوبلت برفض دولي واسع، إذ أكّد خبراء القانون البحري أنّ الأسطول كان في منطقة مياه دولية خاضعة للحرية الملاحية الكاملة، وأنّ مهاجمته تُصنّف كعمل قرصنة رسمي ترعاه دولة تمتلك جيشًا.

الهجوم يأتي بعد أسبوع واحد فقط من عملية مماثلة استهدفت “أسطول الصمود العالمي”، حين اعترضت البحرية الإسرائيلية 42 سفينة وأوقفت مئات النشطاء، بينهم برلمانيون أوروبيون. آنذاك، انتشرت شهادات عن تعرض المعتقلين للتعذيب وسوء المعاملة داخل السجون الإسرائيلية، في مشهد يعكس منهجية متكررة هدفها كسر أي تضامن دولي مع غزة.

ردود الفعل الدولية: إدانات وقلق متزايد

تصدّرت ماليزيا وإيطاليا قائمة الدول المنددة بالهجوم.

إذ قال رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم إنّ “ما حدث جريمة بحرية تستدعي تحركًا عاجلًا من المجتمع الدولي”، وطالب بالإفراج الفوري عن النشطاء الماليزيين المشاركين في الأسطول.

أما وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، فأعلن أنّ بلاده تتابع عبر سفارتها في تل أبيب مصير نحو عشرة إيطاليين كانوا على متن السفن، مشددًا على ضرورة “احترام حقوقهم الإنسانية والقانونية”.

دول أخرى مثل إسبانيا والنرويج عبّرت عن قلقها البالغ من استخدام إسرائيل القوة المفرطة ضد مدنيين عُزّل، بينما دعا ناشطون في الأمم المتحدة إلى فتح تحقيق عاجل في الحادثة، معتبرين أنّها تمثل “امتدادًا لسياسة العقاب الجماعي المفروضة على الشعب الفلسطيني وكل من يتضامن معه”.

السياق الأوسع: حصار غزة والإبادة المستمرة

لا يمكن فصل هجوم اليوم عن المشهد العام للحرب الإسرائيلية المستمرة على غزة منذ عامين، والتي خلّفت أكثر من 67 ألف شهيد و169 ألف جريح، معظمهم من الأطفال والنساء، إلى جانب تدمير واسع للبنية التحتية وانهيار كامل للنظام الصحي والإغاثي في القطاع.

إسرائيل، التي تخنق غزة جوًا وبرًا وبحرًا منذ عام 2007، تواجه اتهامات متزايدة بارتكاب إبادة جماعية وجرائم حرب، وقد أصدرت محكمة العدل الدولية أوامر صريحة بوقف العمليات العسكرية، لكن الاحتلال تجاهلها مرارًا.

وفي هذا الإطار، يُنظر إلى “أسطول الحرية” كأحد رموز المقاومة المدنية العالمية ضد الحصار، إذ ضمّ ناشطين من أكثر من 30 دولة، حملوا معهم مساعدات طبية وغذائية رمزية لكنها تحمل دلالات إنسانية وسياسية عميقة، تؤكد أنّ العالم لم يعد يتقبل الصمت أمام الإبادة المستمرة في غزة.

خاتمة: قرصنة دولة وإرهاب منظم

هجوم إسرائيل على “أسطول الحرية” ليس مجرد حادث بحري عابر، بل استمرار لنهج دموي يعتبر كل صوت متضامن مع غزة “عدوًا” يجب إسكاتُه.

فمن المياه الدولية إلى المستشفيات، تتجلّى سياسة الاحتلال القائمة على فرض الصمت بالقوة، وكأنّ القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة لا تعني شيئًا.

ومع تصاعد الإدانات الدولية وتزايد الغضب الشعبي في العواصم الغربية، يبدو أنّ هذا الهجوم قد يعيد تسليط الضوء على جوهر الصراع: ليس بين دولة وجماعة مسلحة، بل بين منظومة احتلال تمارس الإبادة والقرصنة في وضح النهار، وشعوب حرّة تصر على إيصال صوت غزة مهما كان الثمن.

اقرأ أيضًا : هل هناك “طوفان” قادم في مصر؟.. كتابات “Z” تربك القاهرة بعد حراك المغرب