في خرقٍ سافرٍ لاتفاق وقف إطلاق النار المعلن في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، شنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي مساء الأربعاء سلسلة غارات جوية عنيفة على مناطق متفرقة من قطاع غزة، أسفرت عن استشهاد فلسطينيين اثنين على الأقل في حي السلاطين شمالي بيت لاهيا، وفق ما أفادت به مصادر طبية في مستشفى الشفاء بمدينة غزة. وأكد الناطق باسم الدفاع المدني في القطاع، محمود بصل، أن أحد الشهداء سقط في غارة استهدفت منطقة العطاطرة، مضيفًا أن طواقم الإنقاذ تواجه صعوبات هائلة في الوصول إلى مواقع القصف بسبب استمرار تحليق الطائرات الحربية والانقطاع المتكرر للاتصالات.

الجيش الإسرائيلي، الذي حاول تبرير الجريمة بالحديث عن استهداف ما وصفها بـ”بنية تحتية إرهابية”، زعم أن الموقع كان يُستخدم لتخزين أسلحة ووسائل جوية معدّة لتنفيذ “هجوم وشيك”، في تبريرٍ متكرر باتت تتذرع به إسرائيل مع كل جريمةٍ ضد المدنيين في غزة. غير أن شهود العيان أكدوا أن المنطقة المستهدفة كانت مأهولة بالمدنيين الفارين من مناطق القتال السابقة، ما يجعل هذا القصف جريمة حرب جديدة تُضاف إلى سجل الاحتلال الحافل بالانتهاكات.

وقف هشّ للنار وازدواجية إسرائيلية

تأتي هذه الغارات بعد ساعات من إعلان الجيش الإسرائيلي “استئناف العمل باتفاق وقف إطلاق النار”، الذي يفترض أن يضع حدًا للعمليات العسكرية مقابل التزام المقاومة الفلسطينية بوقف الهجمات. لكن واقع الميدان يشي بعكس ذلك، إذ شهدت الأيام الأخيرة تصعيدًا ملحوظًا في القصف، أدى إلى استشهاد 104 فلسطينيين خلال 48 ساعة فقط، بينهم 46 طفلاً، وفق بيانات الدفاع المدني في غزة.

وزارة الصحة في القطاع أعلنت بدورها أن حصيلة الضحايا منذ بدء سريان الاتفاق بلغت 211 شهيدًا و597 جريحًا، بينما لا تزال فرق الإنقاذ تنتشل جثامين 482 شهيدًا من تحت الأنقاض ممن قضوا قبل بدء الاتفاق. هذه الأرقام تكشف أن الاحتلال يتعامل مع الاتفاق كأداة تكتيكية لإعادة التموضع واستئناف القصف متى شاء، تحت ذريعة “الرد على خروقات”، رغم تأكيد الفصائل الفلسطينية التزامها الكامل بالهدنة.

أما وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، فقد هدد بأن “من يهاجم جنود الجيش سيدفع ثمنًا باهظًا”، بينما كرّر وزير الخارجية جدعون ساعر أن “تجريد حماس من سلاحها” هو جوهر خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في إشارة إلى أن وقف إطلاق النار ليس سوى مرحلة ضمن عملية أوسع تهدف لإضعاف المقاومة وفرض واقع سياسي وأمني جديد في القطاع.

الموقف الأميركي والرسائل المبطّنة

واشنطن، التي تُقدّم نفسها كوسيطٍ “حريص” على التهدئة، برّرت الغارات الإسرائيلية بحديث أحد مسؤوليها عن “انتهاكات متعددة من حماس” خلال الأيام الماضية، زاعمًا أن رد إسرائيل “كان محدودًا”. لكن هذا التبرير الأميركي يعكس ازدواجية الموقف الغربي، الذي يغضّ الطرف عن عشرات الغارات اليومية على المدنيين بينما يطالب المقاومة بضبط النفس. وقد كشف المسؤول ذاته عن ارتفاع عدد الدول المشاركة في مركز التنسيق الخاص بغزة إلى 14 دولة، إضافة إلى 20 هيئة غير حكومية، في إشارة إلى سعيٍ أميركي لإضفاء طابعٍ دولي على إدارة القطاع، تمهيدًا لترتيبات ما بعد الحرب التي تهدف إلى تفكيك بنية المقاومة وفرض “نظام استقرار” يخدم المصالح الإسرائيلية.

هذه التصريحات تزامنت مع دعوة حركة حماس المجتمع الدولي إلى “الضغط على إسرائيل لوقف المجازر بحق المدنيين”، مؤكدة أن “دماء أطفال ونساء غزة ليست رخيصة”، وأنها التزمت بالاتفاق “بإرادة مسؤولة”، لكنها “لن تسمح للعدو بفرض وقائع جديدة تحت النار”. هذا الموقف يعكس إدراك المقاومة لطبيعة المرحلة التي تحاول واشنطن وتل أبيب استثمارها لتكريس واقع سياسي جديد في القطاع المنهك بعد عامين من حرب الإبادة التي راح ضحيتها أكثر من 68 ألف فلسطيني وأصيب فيها نحو 170 ألف آخرين، معظمهم من الأطفال والنساء، بينما قدّرت الأمم المتحدة تكلفة إعادة الإعمار بنحو 70 مليار دولار.

غزة بين نار الاحتلال وصمت العالم

الضربات الإسرائيلية الأخيرة لا يمكن فصلها عن سياقٍ أوسع من الانتهاكات الممنهجة التي تستهدف المدنيين، في وقتٍ يُبقي فيه المجتمع الدولي على صمته المطبق. فوقف إطلاق النار، الذي يفترض أن يكون وسيلة لإنقاذ ما تبقّى من حياة في غزة، تحوّل إلى غطاءٍ لتجدد العدوان. ومع كل جولة قصف، يزداد الدمار وتتقلص فرص الحياة، فيما تتفاقم الأزمة الإنسانية في ظل انعدام الوقود والماء والدواء وانهيار المستشفيات.

المشهد العام يوحي بأن الاحتلال يسعى إلى فرض معادلة “الهدنة مقابل الإذعان”، أي هدنةٍ تُقيّد المقاومة وتُطلق يد الجيش الإسرائيلي في القصف متى شاء، بينما تواصل واشنطن تغطية هذه الانتهاكات بذريعة “الدفاع عن النفس”. ومع غياب ضغطٍ دولي حقيقي أو آلية رقابية على تنفيذ الاتفاق، يبقى وقف إطلاق النار مجرّد حبرٍ على ورق، ومأساة غزة مرشحة للاستمرار، ما لم يتحرّك العالم لوقف آلة القتل الإسرائيلية التي تواصل ارتكاب جرائم حرب ممنهجة بحق شعبٍ محاصر منذ نحو عقدين.

خلاصة التقرير:

تُظهر التطورات الميدانية أن الاحتلال الإسرائيلي لم يلتزم يومًا بوقف إطلاق النار، بل استخدمه كاستراحةٍ مؤقتة لإعادة ترتيب أوراقه العسكرية والسياسية، بينما يدفع المدنيون الفلسطينيون الثمن الأكبر. وفي ظل استمرار الصمت الدولي وتواطؤ بعض القوى الكبرى، يظل السؤال مفتوحًا: إلى متى يُسمح للاحتلال بأن يواصل جرائمه تحت شعارات “التهدئة” و”محاربة الإرهاب”، دون أن يُحاسَب على ما يقترفه من مجازر بحق شعبٍ أعزل؟

اقرأ أيضًا : بين رصاص الاحتلال و”عمالة عباس”.. جنين تدفع الثمن من دم مقاوميها