في مشهد جديد من مشاهد الإجرام الممنهج ضد الصحفيين في غزة، فجّرت أنباء استشهاد الصحفي الفلسطيني أنس الشريف موجة حزن عارمة في الأوساط الإعلامية والشعبية، بعد أن أكدت مصادر محلية استهدافه بشكل مباشر من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي أثناء تغطيته للأحداث في شمال القطاع.
الشهيد، الذي عُرف بثباته في الميدان وإصراره على إيصال الحقيقة، نشر قبل استشهاده بساعات قليلة آخر كلماته عبر منصة “إكس”، قائلاً: “لن أخرج من غزة إلا إلى الجنة”، في إشارة واضحة إلى رفضه مغادرة أرضه رغم اشتداد القصف الإسرائيلي على عدة مناطق.

تحريض ممنهج واستهداف مباشر
لم يكن اغتيال أنس الشريف حدثاً عابراً؛ فقد سبقه تحريض واضح من جهات إسرائيلية على منصات التواصل، اتهمته بدعم المقاومة الفلسطينية وتوثيق جرائم الاحتلال، وهو ما اعتبره مراقبون “ضوءاً أخضر” لاستهدافه.
مصادر حقوقية أكدت أن الاحتلال دأب خلال الحرب على نشر أسماء وصور لصحفيين ونشطاء بارزين، مرفقة بادعاءات تحريضية، ما يجعلهم أهدافاً مباشرة للقصف. وفي حالة الشريف، جاء استهدافه بعد أيام من تزايد الهجوم الإعلامي الإسرائيلي ضده وضد عدد من زملائه.
شهود عيان أوضحوا أن قصفاً دقيقاً استهدف الموقع الذي كان يتواجد فيه أنس برفقة فريق من الصحفيين، ما أدى إلى استشهاده وإصابة آخرين بجروح متفاوتة، في جريمة اعتبرتها منظمات دولية امتداداً لسياسة الاحتلال في إسكات الأصوات التي تنقل الحقيقة من قلب المأساة.
“من غزة إلى الجنة”.. وصية شهيد الكلمة
آخر ما كتبه أنس على حسابه الشخصي في “إكس” كان وصفاً لليلة من أشد الليالي دموية في غزة، مشيراً إلى اشتداد الغارات الإسرائيلية واستهداف منازل وأحياء بكاملها. لكن اللافت كان رسالته الخاصة التي شاركها الصحفي محمد هنية، حيث قال له الشريف: “لن أخرج من غزة إلا إلى الجنة”، وهي الكلمات التي تحولت إلى شعار يردده ناشطون ومحبوه بعد استشهاده.
هذه العبارة لم تكن مجرد جملة عابرة، بل تعبير عن فلسفة رجل ميداني قرر البقاء مع شعبه حتى اللحظة الأخيرة، مؤمناً بأن الكاميرا والقلم هما خط الدفاع الأول عن الحقيقة، وأن الرحيل عن غزة في هذه الظروف هو خيانة لدماء الشهداء وآهات الجرحى.
تفاعل واسع وغضب متصاعد
عقب تأكيد نبأ استشهاده، تصدّر وسم #أنس_الشريف منصات التواصل الاجتماعي في فلسطين والعالم العربي، وانهالت رسائل النعي من صحفيين وكتاب وناشطين، أشادوا فيها بشجاعته وثباته في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية.
الصحفية الفلسطينية علا الفارس كتبت: “رحل أنس وهو يحمل الكاميرا، شاهداً على جرائم الاحتلال، وترك لنا وصيته بأن غزة تستحق الحياة”، فيما دعا آخرون إلى فتح تحقيق دولي ومحاسبة قادة الاحتلال على استهدافه.
المنظمات الحقوقية، وعلى رأسها “مراسلون بلا حدود” و”اللجنة الدولية لحماية الصحفيين”، أصدرت بيانات إدانة، مؤكدة أن استهداف أنس الشريف وزملائه يندرج ضمن سياسة ممنهجة للقضاء على التغطية المستقلة من داخل غزة، وهو ما يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.
أنس ورفاقه.. قائمة دم لا تتوقف
استشهاد أنس الشريف يضاف إلى قائمة طويلة من الصحفيين الذين اغتالتهم قوات الاحتلال منذ بداية العدوان على غزة. فمنذ أكتوبر 2023، وثقت النقابات الصحفية المحلية استشهاد أكثر من 150 إعلامياً وصحفياً، في معدل غير مسبوق تاريخياً، ما يجعل غزة أخطر مكان في العالم للعمل الصحفي.
رفاق أنس في الميدان، مثل الصحفيين وائل الدحدوح وسامي الشريف، تعرضوا بدورهم للاستهداف المتكرر، سواء بقصف منازلهم أو ملاحقتهم أثناء التغطية، في محاولة لترهيبهم ودفعهم إلى الصمت. لكن إصرارهم على البقاء وسط الركام والدمار جعل منهم رموزاً للمقاومة الإعلامية في وجه آلة القتل.
جريمة حرب موثقة
القانون الدولي الإنساني، وتحديداً المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، ينص على حماية الصحفيين العاملين في مناطق النزاع باعتبارهم مدنيين ما لم يشاركوا مباشرة في الأعمال العدائية. ومع ذلك، يتعامل الاحتلال مع الصحفيين كأهداف عسكرية، مبرراً جرائمه بادعاءات باطلة عن “ارتباطهم بالمقاومة”.
المحامي والخبير في القانون الدولي، خالد الصفدي، أوضح أن استهداف أنس الشريف، خاصة في ظل وجود دلائل على التحريض المسبق، يرقى إلى جريمة حرب مكتملة الأركان، مؤكداً أن توثيق هذه الجريمة بالصوت والصورة سيسهم في ملاحقة قادة الاحتلال أمام المحكمة الجنائية الدولية.
إرث الشهداء لا يموت
رحيل أنس الشريف ترك فراغاً كبيراً في المشهد الإعلامي الفلسطيني، لكن وصيته الأخيرة، وصورته حاملاً كاميرته وسط الركام، ستظل حاضرة في ذاكرة الأجيال كرمز للتضحية والثبات.
ففي زمن الحرب، تصبح الكلمة والصورة خطاً دفاعياً عن الذاكرة، وأداة لمواجهة محاولات الاحتلال طمس الحقيقة. ورغم أن الرصاصة أطفأت حياة أنس، فإن صوته سيبقى يتردد في أروقة الإعلام الحر: “من غزة إلى الجنة”.
وفي الختام، يظل استشهاد أنس الشريف ليس فقط فاجعة إنسانية، بل صفعة على وجه المجتمع الدولي الذي يكتفي ببيانات الإدانة، دون اتخاذ خطوات عملية لوقف استهداف الصحفيين. وبينما تتواصل آلة الحرب في حصد الأرواح، يبقى الوفاء لذكرى الشهداء مرهوناً باستمرار رسالتهم، حتى لا تتحول دماؤهم إلى مجرد أرقام في تقارير الأمم المتحدة.
اقرأ أيضًا : الاحتلال يواصل تهويد القدس.. اقتحامات للأقصى وشق طريق استيطاني شمال العاصمة وسط صمت السلطة