في خطوة تصعيدية جديدة، أعلنت جماعة أنصار الله (الحوثيون) في اليمن، إنهاء الهدنة المبرمة مع الولايات المتحدة في البحر الأحمر، مهددة باستهداف شركات نفط أمريكية كبرى مثل “إكسون موبيل” و”شيفرون”، في رسالة مباشرة بأن الصراع لم يعد مقتصرًا على المياه الإقليمية أو استهداف السفن فحسب، بل بات مرتبطًا بمصالح الطاقة الأمريكية العالمية.

نهاية هدنة هشة
بحسب ما نقلته وكالة “رويترز”، فإن مركز تنسيق العمليات الإنسانية بصنعاء، الذي يُعد واجهة حوثية للتواصل مع الشركات الملاحية، أعلن إدراج 13 شركة أمريكية وتسعة أشخاص وسفينتين على “قائمة العقوبات”. هذا الإجراء يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد المباشر، بعد أن ظلّ البحر الأحمر مسرحًا لتجاذبات غير معلنة بين الحوثيين وواشنطن.
الهدنة التي وُقّعت مطلع مايو الماضي بوساطة عمانية كانت قد مثّلت انفراجة مؤقتة. فقد تعهد الحوثيون بوقف استهداف السفن الأمريكية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مقابل التزام واشنطن بوقف غاراتها شبه اليومية على اليمن. حينها، أشاد وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي بالاتفاق باعتباره “خطوة نحو خفض التصعيد” تحفظ مصالح الجانبين وتُبعد المنطقة عن حرب بحرية مفتوحة.
لكنّ الواقع الميداني أثبت هشاشة تلك التفاهمات، إذ واصل الحوثيون استهداف العمق الإسرائيلي بالصواريخ والطائرات المسيّرة “نصرة لغزة”، بينما بقيت القوات الأمريكية في حالة استنفار دائم، معتبرة أن تحركات الحوثيين تمسّ مباشرة بحرية التجارة الدولية ومصالحها الاستراتيجية.
البحر الأحمر.. ساحة صراع دولي
البحر الأحمر لم يعد ممرًا مائيًا استراتيجيًا محصورًا بين ضفتيه، بل تحوّل إلى عقدة جيوسياسية تمسّ قوى كبرى. فمضيق باب المندب يُعد بوابة رئيسية لعبور النفط والغاز نحو أوروبا وآسيا، ما يجعله رئة اقتصادية للعالم.
الولايات المتحدة، التي تؤكد دومًا أن وجودها العسكري في هذه المنطقة يهدف إلى “حماية حرية الملاحة”، تبدو في نظر الحوثيين متورطة في حماية الكيان الإسرائيلي وفرض حصار بحري غير معلن على اليمن وغزة. ومن هذا المنطلق، فإن إعلان الحوثيين استهداف شركات مثل “إكسون” و”شيفرون” ليس مجرد تهديد دعائي، بل رسالة بأن المصالح الأمريكية النفطية نفسها قد تصبح في مرمى النار إذا استمرت واشنطن في غطرستها وسياساتها العدائية.
هذا التحول يعكس رغبة الحوثيين في نقل المواجهة إلى مستوى استراتيجي أوسع، حيث يصبح الضغط على الاقتصاد الأمريكي العالمي جزءًا من أدوات الردع. كما أنه يعيد للأذهان عمليات مشابهة نفذتها المقاومة العراقية ضد المصالح النفطية الأمريكية خلال العقدين الماضيين، ما يضع إدارة واشنطن أمام معادلة معقدة: إما التراجع عن التصعيد أو المخاطرة بانهيار خطوط إمداد الطاقة.
أبعاد إقليمية ودولية
إنهاء الهدنة لا يقتصر على بعده اليمني – الأمريكي، بل له انعكاسات مباشرة على موازين القوى في المنطقة. فالدول العربية التي رحبت بالوساطة العمانية، مثل قطر والكويت، تجد نفسها الآن أمام مشهد أكثر تعقيدًا، حيث يهدد التصعيد بجرّ المنطقة إلى مواجهة بحرية واسعة تشمل قوات إقليمية ودولية.
في الوقت نفسه، تسعى إسرائيل إلى توظيف الوجود الأمريكي في البحر الأحمر لحماية مصالحها، معتبرة أن أي تهديد لحركة الملاحة قد يعرقل وصول الدعم العسكري أو يهدد خطوط الإمداد التجارية التي تمر عبر قناة السويس. وهذا يعني أن واشنطن، عبر استمرار غطرستها، قد تورط نفسها في مواجهة مفتوحة لا تحمد عقباها.
أما على الصعيد الدولي، فإن الصين وروسيا تراقبان الوضع عن كثب، باعتبار أن أي فوضى في البحر الأحمر ستؤثر مباشرة على طرق التجارة العالمية ومبادرة “الحزام والطريق”. وهو ما قد يفتح المجال أمام دخول لاعبين دوليين جدد في معادلة الردع، بما يُعيد رسم خارطة النفوذ البحري في المنطقة.
الغطرسة الأمريكية تدفع الثمن
إن أبرز ما يكشفه هذا التصعيد هو فشل واشنطن في قراءة طبيعة الصراع. فالتعامل مع الحوثيين باعتبارهم مجرد “ميليشيا متمردة” أثبت قصورًا استراتيجيًا، إذ أظهرت الجماعة قدرتها على إدارة معارك بحرية وإعلامية وسياسية متوازية، بل وفرض شروطها في ملفات إقليمية تتجاوز اليمن.
الغطرسة الأمريكية، المتمثلة في استمرار الغارات الجوية وفرض الإملاءات عبر التواجد العسكري المكثف، جعلت الهدنة قصيرة الأجل. فبدلًا من استثمار الوساطة العمانية لتأسيس تهدئة طويلة المدى، اختارت واشنطن مواصلة نهجها العدواني، لتجد نفسها اليوم أمام تصعيد قد يكلفها الكثير من الناحية الاقتصادية والعسكرية والسياسية.
خاتمة.. البحر الأحمر على حافة الانفجار
إن إعلان الحوثيين إنهاء الهدنة لا يُقرأ بمعزل عن سياق الحرب المستمرة في غزة منذ عامين، حيث يربط الحوثيون عملياتهم بشكل مباشر بنصرة الفلسطينيين ووقف ما يصفونه بـ”الإبادة الجماعية”. وبالتالي، فإن أي تصعيد في البحر الأحمر سيكون انعكاسًا طبيعيًا لاستمرار الحرب الإسرائيلية والدعم الأمريكي غير المشروط لها.
المرحلة المقبلة قد تحمل مواجهات بحرية غير مسبوقة، ليس فقط بين الحوثيين والولايات المتحدة، بل ربما بين معسكرين عالميين يتنازعان على النفوذ في هذه البقعة الاستراتيجية. وفي ظل استمرار الغطرسة الأمريكية، يبدو أن واشنطن تمهد بنفسها لفتح جبهة جديدة، قد تتحول إلى نقطة تحول في ميزان القوى الإقليمي والدولي.
اقرأ أيضًا : اعتراف إسرائيلي بتآكل جيش الاحتياط.. “الاحتلال يتصدع”