في خطوة تعكس محاولات احتواء التوترات الأمنية الأخيرة، أعلن محافظ السويداء مصطفى البكور، بدء تنفيذ بنود الاتفاق الذي أُبرم بين الحكومة السورية ومشايخ العقل في المحافظة الواقعة جنوبي سوريا، وهو الاتفاق الذي أنهى أحداثاً دامية في ريف دمشق وتحديداً في مناطق جرمانا وصحنايا وأشرفية صحنايا.
وصرّح بكور بأن الاتفاق يهدف إلى ترسيخ الأمن وتثبيت الهوية السورية الجامعة، مشدداً على رفض أهالي المحافظة لأي شكل من أشكال التقسيم أو الانفصال.
هذا الاتفاق، الذي وُقّع برعاية وجهاء الطائفة الدرزية ومشايخ العقل، يتضمن جملة من البنود أبرزها تفعيل دور قوى الأمن الداخلي من أبناء محافظة السويداء أنفسهم، وتأمين الطريق الرئيسي بين دمشق والسويداء، وإنهاء التوترات المتنقلة في ريف العاصمة.
واعتبر محافظ السويداء أن إشراك أبناء المحافظة في المهام الأمنية يمثل خطوة نحو تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع المحلي، رافضاً في الوقت ذاته إعادة عناصر الأمن السابقين من عهد “النظام المخلوع”، في إشارة واضحة إلى الأجهزة الأمنية التي كانت متهمة باضطهاد أبناء المنطقة.

الخلفية الطائفية للأزمة.. ومن يقف خلف تأجيجها؟
التوترات الأخيرة في ريف دمشق لم تكن من فراغ. فقد اندلعت شرارتها إثر انتشار تسجيل صوتي منسوب لأحد أبناء الطائفة الدرزية تضمّن إساءة بالغة للنبي محمد ﷺ، ما تسبب في اندلاع اشتباكات عنيفة واحتقان شعبي واسع، خاصة في مناطق يقطنها خليط سكاني من الدروز والمسلمين السنة.
الحادثة أثارت مخاوف من تحول النزاع إلى فتنة طائفية قد تستغلها جهات داخلية وخارجية لتوسيع دائرة الفوضى والتقسيم، خاصة في ظل التوترات الإقليمية والحرب المستمرة في سوريا منذ أكثر من 13 عاماً.
وتأتي هذه التطورات في سياق حساس للغاية، إذ تحذّر جهات سياسية وإعلامية من محاولات “الاحتلال الإسرائيلي” والدول الداعمة له توظيف أبناء الطائفة الدرزية في مشروع تقسيم سوريا، على غرار ما جرى في العراق ولبنان من تغذية للانقسامات الطائفية والمناطقية.
فالدروز الذين يشكلون أقلية عددية في سوريا يتوزعون في مناطق استراتيجية أهمها السويداء، وهم تاريخياً عرفوا بتمسكهم بالهوية السورية، غير أن بعض التحركات المحلية المسلحة والانخراط في مجموعات ذات طابع مناطقي أثارت الشكوك بشأن وجود تغلغل خارجي في بنيتهم التنظيمية.
وفي هذا السياق، تسلط وسائل إعلامية الضوء على محاولات قوى دولية وإقليمية، خاصة الاحتلال الإسرائيلي، لاستمالة بعض قيادات الطائفة الدرزية، كما تفعل مع دروز فلسطين، بهدف خلق كيان درزي مستقل جنوب سوريا، يشكل حاجزاً جغرافياً وسياسياً بين المناطق الخاضعة للنفوذ الإيراني وتلك التي تسيطر عليها فصائل مدعومة من الولايات المتحدة أو “قسد” في الشرق السوري.
ولا يمكن فصل هذا السيناريو عن محاولات تكريس أمر واقع مشابه لتقسيم لبنان أو العراق عبر خلق كيانات مذهبية.
تنفيذ الاتفاق: تسليم أسلحة وإطلاق سراح معتقلين
ضمن تنفيذ الاتفاق، شهدت مناطق ريف دمشق خطوات عملية بارزة، تمثلت في تسليم الأسلحة من قبل اللجان المحلية والوجهاء.
فقد أفادت وسائل إعلام أن مدينة جرمانا، التي تُعد من أبرز المناطق المتوترة، سلمت دفعة من الأسلحة الثقيلة إلى الحكومة السورية، ما يُعد بادرة إيجابية نحو نزع فتيل الأزمة.
وفي السياق ذاته، أعلنت وزارة الداخلية السورية أنها تسلمت كميات من الأسلحة والذخائر من منطقتي صحنايا وأشرفية صحنايا، في إطار تفاهمات تمت بالتنسيق مع الوجهاء المحليين.
بالتوازي، أفرجت الحكومة السورية عن 22 شخصاً من بلدة أشرفية صحنايا، كانوا قد اعتقلوا على خلفية الأحداث الأخيرة. وتم تسليم المفرج عنهم لعائلاتهم بحضور شخصيات دينية درزية، في مشهد بدا كأنه محاولة لترميم الثقة وتعزيز الاستقرار، خاصة أن الإفراج جاء بعد عرضهم على القضاء، وأكدت الحكومة أنهم ممن “لم تتلطخ أيديهم بالدماء”.
هذه التطورات تعكس حرص الحكومة على تهدئة الأوضاع وفتح صفحة جديدة مع مكونات محلية كانت في مرحلة ما على خلاف مع السلطات. إلا أن هذا لا ينفي استمرار مخاوف بعض المراقبين من تكرار السيناريو اللبناني، حيث تحول التقسيم الطائفي إلى واقع دائم ساهم في تآكل الدولة.
مستقبل السويداء.. هل تنجح الدولة في احتواء التحديات؟
محافظة السويداء، التي ظلت لسنوات بعيدة عن النزاع المسلح المباشر، باتت في الآونة الأخيرة مركزاً لتجاذبات سياسية ومطلبية، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية وغياب الخدمات، ما فتح الباب أمام ظهور مجموعات مسلحة محلية تحمل شعارات العدالة الاجتماعية والدفاع عن أبناء المنطقة.
غير أن بعضها تحوّل لاحقاً إلى واجهات لتهريب السلاح والمخدرات، بحسب ما تقول الحكومة السورية.
الاتفاق الذي بدأ تطبيقه الآن يمثل اختباراً جدياً لنية الدولة في بسط سلطتها دون قمع أو استبعاد، وكذلك لقدرة المجتمع المحلي على منع تسلل الأجندات الخارجية. كما يفتح باباً أمام مشاريع أكثر عمقاً لإدماج مناطق الأطراف في إدارة البلاد، لكن نجاح ذلك يبقى رهناً بالوفاء بالتعهدات وبناء الثقة مع الأهالي.
وفي ظل هذا المشهد، تبقى عين المراقب مفتوحة على الجنوب السوري، حيث يتقاطع الأمن المحلي مع الجغرافيا السياسية، وتلوح في الأفق مشاريع تقسيم تتربص بأي ضعف في البنية الوطنية.
فهل يشكل اتفاق السويداء بداية لعودة الاستقرار، أم مجرد هدنة مؤقتة قبل العاصفة؟ الأيام القادمة وحدها تحمل الجواب.
اقرأ أيضًا : السويداء تكسر العزلة.. انتشار أمني رسمي يُجهض مشروع التقسيم الإسرائيلي – الإماراتي