أبحرت سفينة «عمر المختار» من العاصمة الليبية طرابلس يوم 21 سبتمبر/أيلول، محمّلة بالمساعدات الإنسانية ومتجهة للالتحاق بما سُمّي «أسطول الصمود» الذي يضم عشرات السفن من دول مختلفة في محاولة غير مسبوقة لكسر الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ 18 عاماً. الرحلة لم تكن سهلة؛ إذ استغرقت السفينة ستة أيام كاملة للوصول إلى جنوب جزيرة كريت، حيث انضمت إلى باقي القافلة، ثم واصلت المسير نحو شرق البحر المتوسط، مقتربة تدريجياً من النقطة الأكثر خطورة على بعد 141 ميلاً بحرياً فقط من شواطئ غزة.
القائد البحري مصطفى فطيس، قبطان السفينة الليبية، تحدث من على متنها قائلاً إن «الوضع على ظهر عمر المختار جيد، والطاقم بخير، والعزيمة لم تهتز رغم طول الطريق»، مؤكداً أن السفن المشاركة في الأسطول تبحر متقاربة لزيادة الحماية ولتعزيز الشعور بالوحدة والتضامن. ويضم طاقم السفينة نحو 20 شخصاً، بينهم أطباء ليبيون وناشطون حقوقيون ومتطوعون أجانب، إلى جانب شحنة مساعدات تشمل خياماً وأدوية وأغذية للأطفال حديثي الولادة، في صورة تعكس المزج بين الطابع الإنساني والبعد الرمزي.
القبطان شدد على أن «الرحلة ليست مجرد إيصال مساعدات، بل فعل مقاومة مدنية ورسالة سياسية للعالم كله». فالأسطول يواجه احتمالات اعتراض بحري أو جوي من قبل إسرائيل، ما يجعله عرضة لمخاطر كبيرة، لكنه في المقابل يحمل قيمة رمزية تتجاوز حجم المساعدات، مفادها أن إرادة الشعوب يمكن أن تقتحم المشهد مباشرة عندما تغيب العدالة أو يتواطأ المجتمع الدولي مع استمرار الحصار.

عروض إسرائيلية مرفوضة ورسائل سياسية مباشرة
خلال الأيام الماضية، تلقّى قادة الأسطول اتصالات غير مباشرة من أطراف إسرائيلية تعرض أن يتم تسليم المساعدات عبر أحد الموانئ الإسرائيلية، على أن تتولى سلطات الاحتلال إدخالها إلى غزة لاحقاً. غير أن هذا العرض قوبل بالرفض القاطع من جميع المشاركين، وهو ما كشف عنه القبطان فطيس بوضوح، قائلاً إن «هذا التفاف واضح على الهدف الأساسي من الحملة؛ فالكيان يريد تفريغ المبادرة من مضمونها وتحويلها إلى عملية شكلية تحت رقابته، بينما جوهر الأسطول أن يفرض وصول المساعدات بشكل مستقل وعلني».
هذا الرفض يعكس قناعة المشاركين بأن معركة الأسطول ليست فقط حول شحنة الأدوية والخيام، بل حول الحق في تحدي الحصار نفسه. فالقبول بتسليم الشحنة عبر موانئ الاحتلال سيجعلها مجرد عملية بروتوكولية يمكن لإسرائيل أن توظفها في دعايتها، بينما نجاح ولو سفينة واحدة في الوصول مباشرة إلى غزة سيكون ضربة رمزية قوية تكشف هشاشة الحصار وتفضح ازدواجية المواقف الدولية.
القبطان أضاف أن الرسالة الأهم التي يصرّ عليها طاقم «عمر المختار» هي أن «المعركة ليست عسكرية بل إنسانية، هدفها التخفيف عن المدنيين المحاصرين منذ سنوات طويلة». لكنه في الوقت ذاته اعترف بأن الوصول إلى شواطئ غزة ليس مضموناً، وأن التوقعات تُشير إلى احتمالية اعتراض مباشر أو مضايقات مكثفة عبر الطائرات المسيّرة والبوارج البحرية. بالفعل، رُصدت في الأيام الأخيرة تحركات لطائرات استطلاع إسرائيلية تحلّق فوق بعض السفن، في إشارة إلى متابعة دقيقة لتحركات الأسطول، ما يضاعف المخاوف من تدخل عنيف قد يكرر سيناريوهات سابقة شهدها العالم مع أساطيل مشابهة.
ورغم هذه التحديات، يصر المشاركون على المضي قدماً. ويقول القبطان: «حتى لو لم نصل، يكفي أننا أرسلنا للعالم رسالة صريحة: لا تتوقفوا عن دعم غزة، ولا تستسلموا أمام استمرار الظلم». هذه الرسالة في حد ذاتها تمثل انتصاراً معنوياً، وتحوّل الأسطول إلى حدث إعلامي وسياسي ضاغط على الحكومات والهيئات الدولية، خاصة مع تزايد الأصوات الشعبية حول العالم التي ترى أن استمرار الحصار يتعارض مع أبسط المبادئ الإنسانية.
دعم تركي وإصرار على كسر الحصار
عن جانب الدعم الإقليمي، كشف القبطان فطيس أن طائرات تركية تتابع مسار الأسطول وتساهم في تأمينه، ما اعتبره المشاركون خطوة مهمة ترفع من معنوياتهم وتعطي إشارة بأن هناك دولاً مستعدة على الأقل لتوفير غطاء رقابي يمنع أي استهداف مباغت. هذا الدعم يعزز أيضاً البُعد الجيوسياسي للحملة، إذ يظهر أن المبادرة المدنية لا تتحرك في فراغ، بل تجد صدى لدى قوى إقليمية ترى في نجاحها قيمة سياسية وأخلاقية.
السفينة «عمر المختار» لم تأتِ وحدها، بل ضمن تحرك جماعي من عشرات السفن التي تحمل رايات دول مختلفة، بعضها من أوروبا وأخرى من العالم العربي، في مشهد يرمز إلى تضامن شعوب متباينة الثقافة والجغرافيا لكنها متفقة على رفض الحصار. هذا الحجم من المشاركة الدولية يجعل الأسطول الأول من نوعه منذ بداية الحصار، ويزيد من صعوبة احتوائه دبلوماسياً أو إعلامياً.
القبطان اختتم حديثه برسالة واضحة: «هدفنا أن نكسر الحصار أو نكشفه على الأقل أمام أعين العالم. لسنا مسلحين، لسنا باحثين عن صدام عسكري، كل ما نريده هو أن تصل هذه المساعدات البسيطة لأهل غزة وأن يعرف العالم أن الصمت جريمة».
هذه الكلمات تعكس جوهر التحرك: مبادرة مدنية تواجه آلة عسكرية. وحتى إن أُجهضت المحاولة أو تعرضت لمضايقات، فإنها ستظل علامة بارزة في سجل الجهود الشعبية والدولية التي رفضت الاستسلام لواقع الحصار، وأصرت على أن البحر قد يكون ممراً للحرية، لا جداراً يعمّق العزلة.
اقرأ أيضًا : إسرائيل ترسم ملامح “الضم الصامت”.. تقرير يكشف الاستراتيجية الخفية للسيطرة على الضفة