لم يعد الاحتلال الإسرائيلي قادرًا على إخفاء جرائمه أو تجميل صورته أمام العالم، فصوت الرفض يتسع يومًا بعد يوم حتى في عواصم الغرب الداعمة له تاريخيًا.
أحدث تجليات هذا التحوّل جاءت من لندن، حيث وجّه أكثر من 60 نائبًا في البرلمان البريطاني رسالة قوية إلى رئيس الوزراء كير ستارمر، أعلنوا فيها رفضهم استقبال رئيس الاحتلال إسحاق هرتسوغ، مؤكدين أن مكانه الطبيعي ليس في داوننغ ستريت، بل على مقعد الاتهام في محكمة لاهاي الدولية.
هذه الخطوة تعكس وعيًا سياسيًا وقانونيًا متناميًا في الغرب، بأن الاحتلال لم يعد “دولة طبيعية”، بل كيان منبوذ متهم بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية في قطاع غزة.

رفض قانوني وأخلاقي للزيارة
النواب البريطانيون، في رسالتهم، شدّدوا على أن استقبال هرتسوغ يتعارض مع التزامات بريطانيا بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948. الاتفاقية لا تلزم الدول فقط بعدم المشاركة في الجريمة، بل بواجب منعها ومعاقبة مرتكبيها أيضًا.
النواب ذكّروا ستارمر بأن محكمة العدل الدولية خلصت بالفعل إلى وجود “خطر حقيقي” بوقوع إبادة جماعية في غزة، وهو ما يجعل أي لقاء مع هرتسوغ منحًا للشرعية السياسية لمن لا يستحق.
الرسالة أشارت كذلك إلى تصريحات هرتسوغ السابقة، التي وصفت الفلسطينيين بعبارات تجردهم من إنسانيتهم، وهي تصريحات تُعتبر وفق القانون الدولي تحريضًا مباشرًا على الإبادة والعقاب الجماعي.
إن تحذير النواب لم يكن مجرد موقف رمزي، بل مطالبة واضحة للحكومة البريطانية بوقف سياسة “غض الطرف” عن جرائم الاحتلال، وإعادة النظر في العلاقة السياسية معه.
رفض الاستقبال في لندن هو رسالة بريطانية داخلية أيضًا، إذ يعكس انقسامًا بين المؤسسة الحاكمة والرأي العام المتنامي المتضامن مع فلسطين.
هرتسوغ بين لاهاي ولندن.. صورة مشوّهة أمام العالم
محكمة العدل الدولية أصدرت بالفعل تدابير مؤقتة في يناير ومارس 2024 ضمن الدعوى التي رفعتها جنوب إفريقيا ضد إسرائيل بتهمة ارتكاب إبادة جماعية في غزة. لاحقًا، في نوفمبر 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي اعتقال بحق نتنياهو ووزير حربه السابق يوآف غالانت بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. في ظل هذه القرارات القضائية، يصبح استقبال هرتسوغ في لندن فضيحة سياسية وأخلاقية، لأنه يقدّم غطاءً لرئيس كيان متورط في الجرائم ذاتها التي يُحاكم عليها قادته.
هذا التناقض يفضح ازدواجية المعايير الغربية: كيف يمكن لبريطانيا التي ترفع شعار “حماية حقوق الإنسان” أن تفتح أبوابها لرئيس متهم بالتحريض على الإبادة؟ إن الرسالة البرلمانية وضعت الحكومة أمام مأزق حقيقي، بين الانحياز الأعمى للاحتلال وبين الالتزام بالقانون الدولي والضغط الشعبي.
أصوات بريطانية: لا مكان لمجرم حرب بيننا
النائب العمالي آندي ماكدونالد، أحد الموقعين على الرسالة، عبّر عن القلق من تجاهل حكومة ستارمر لقرارات محكمة العدل الدولية، مؤكدًا أن عدم الاعتراف بأن إسرائيل تتصرف بنية ارتكاب إبادة يمثل تواطؤًا خطيرًا. من جانبه، شدّد مدير حملة التضامن مع فلسطين، بن جمال، على أن هرتسوغ لا ينبغي أن يُمنح تأشيرة دخول بريطانيا أصلًا، بل يجب منعه ومحاسبته، لأن مكانه الطبيعي في قفص الاتهام بلاهاي. جمال وصف استعداد ستارمر للقاء هرتسوغ بأنه “تأكيد على تواطؤ حكومته في الإبادة”، وهو تصريح يعكس حجم الغضب الشعبي والسياسي من الموقف البريطاني الرسمي.
هذه المواقف ليست معزولة؛ فهي جزء من تيار متصاعد داخل أوروبا وأمريكا، حيث تتزايد الحملات الشعبية والبرلمانية لمقاطعة الاحتلال ومساءلة قادته. لقد تحوّل هرتسوغ من رئيس “ضيف” إلى شخصية منبوذة يُطاردها القانون الدولي.
الاحتلال منبوذ عالميًا.. جرائمه شاهدة عليه
منذ السابع من أكتوبر 2023، يواصل الاحتلال حربه المدمرة على قطاع غزة، بدعم أمريكي، مستخدمًا القصف الجوي والمدفعي والحصار الخانق. حصيلة الجرائم باتت شاهدة على وحشيته: أكثر من 64 ألف شهيد و163 ألف جريح، معظمهم من النساء والأطفال، إضافة إلى مئات آلاف النازحين. الحصار تسبب في كارثة إنسانية غير مسبوقة، حيث استشهد نحو 399 فلسطينيًا بسبب المجاعة، بينهم 140 طفلًا، وسط تحذيرات أممية من أن الوضع ينذر بكارثة أوسع.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل شهادة دامغة على أن الاحتلال يمارس إبادة جماعية موصوفة، لم تعد خافية على العالم. من غزة إلى الضفة، ومن لاهاي إلى وستمنستر، باتت صورة الاحتلال محصورة في كونه كيانًا مارقًا، يقف على رأس قائمة مرتكبي الجرائم في العصر الحديث.
خاتمة: عزلة تتسع وشرعية تتآكل
رسالة النواب البريطانيين تمثل حلقة جديدة في سلسلة من العزلة الدولية التي تلاحق الاحتلال. لم يعد ممكنًا أن يزور قادته عواصم العالم بحرية، ولا أن يُستقبلوا كـ”رجال دولة”. مكانهم بات واضحًا: مقاعد الاتهام في المحاكم الدولية. وفي الوقت الذي يصرّ فيه ستارمر وحكومته على استقبال هرتسوغ، فإن الرأي العام البريطاني والعالمي يُدرك أن الاحتلال الإسرائيلي أصبح منبوذًا، وأن المستقبل يحمل له مزيدًا من العزلة والمساءلة.
لقد ولّى زمن الاستقبال بالأحضان والابتسامات الدبلوماسية. والواقع الجديد يفرض أن يكون استقبال قادة الاحتلال في قاعات المحاكم، حيث يُحاكمون على جرائمهم ضد الإنسانية، لا في مكاتب رسمية تمنحهم شرعية زائفة.
اقرأ أيضًا : غارات إسرائيلية جديدة على حمص واللاذقية.. دمشق تدين وتلوّح بالتصعيد