في مشهد أعاد إلى الأذهان أحداثا مشابهة في السنوات الأخيرة، ضرب انفجار ضخم، ميناء “الشهيد رجائي” بمدينة بندر عباس جنوب إيران، أحد أهم الموانئ التجارية الحيوية للجمهورية الإسلامية.

الانفجار الذي وقع في منطقة الجمارك، وأدى إلى إصابة أكثر من 400 شخص وفقا لتقديرات رسمية أولية، أثار العديد من التساؤلات حول طبيعته، وسط صمت رسمي نسبي وشبهات تتزايد بوجود أبعاد غير تقليدية وراءه.

 

فوضى وإصابات وشلل تام في الميناء

وبحسب ما أوردته وكالات أنباء إيرانية شبه رسمية مثل “تسنيم” و”فارس”، فقد وقع الانفجار نتيجة “حريق في مخزن للمواد القابلة للاشتعال”، وذلك في منطقة الجمارك بميناء الشهيد رجائي. 

ومع ذلك، أكد مسؤول محلي للتلفزيون الرسمي أن “عدة حاويات انفجرت”، مضيفا أن السلطات تعمل على إخماد النيران ونقل المصابين إلى المراكز الطبية.

شهود عيان وصفوا الانفجار بأنه كان “مدوياً للغاية”، مشيرين إلى تحطم نوافذ المباني على بعد عدة كيلومترات من الميناء، وارتفاع سحب كثيفة من الدخان فوق المدينة. وأظهرت لقطات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي لحظات ما بعد الانفجار، وسط حالة من الفوضى والارتباك.

وقد أعلنت السلطات تعليق جميع أنشطة الميناء إلى أجل غير مسمى، من أجل السيطرة على الحريق ومنع امتداده إلى مناطق أخرى حساسة، في حين لم تصدر حتى الآن أرقام نهائية بشأن القتلى المحتملين أو حجم الخسائر المادية.

https://twitter.com/i/status/1916064371794457002

تزامن مريب: انفجار في لحظة حساسة

ما يلفت الانتباه بشكل خاص أن هذا الانفجار وقع بالتزامن مع انطلاق جولة ثالثة من المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في سلطنة عمان، وهي محادثات توصف بأنها دقيقة ومفصلية لمستقبل الملف النووي الإيراني.

التوقيت الحساس للانفجار، إلى جانب استهداف موقع استراتيجي بحجم ميناء الشهيد رجائي، الذي يعد شريانا اقتصاديا رئيسيا لإيران، دفع العديد من المراقبين إلى التساؤل عما إذا كان الحادث عرضيا بالفعل أم أنه نتيجة لعمل تخريبي مدروس يستهدف الضغط على إيران من بوابة أمنها الاقتصادي.

وتشير الخلفية إلى أن هذا الميناء تعرض سابقاً في مايو 2020 لهجوم إلكتروني نسبته تقارير غربية إلى إسرائيل، وتسبب يومها في شلل بحركة الملاحة وتعطل أنظمة الحواسيب بالميناء. 

وقد ربطت حينها صحيفة “واشنطن بوست” ذلك الهجوم بالرد الإسرائيلي على هجوم سيبراني إيراني استهدف منشآت مياه إسرائيلية.

شبهات تحيط بالانفجار: عبث داخلي أم هجوم خارجي؟

برغم التصريحات الإيرانية الرسمية التي تميل إلى توصيف الحادث باعتباره “حادثاً عرضياً”، إلا أن السياق السياسي والأمني يفتح الباب أمام سيناريوهات أخرى أكثر تعقيداً:

  • هجوم خارجي: بالنظر إلى استهدافات سابقة للبنية التحتية الإيرانية، سواء عبر هجمات إلكترونية أو عبر عمليات تخريب مادي، لا يمكن استبعاد احتمال تورط أطراف خارجية، خاصة إسرائيل التي تنفذ منذ سنوات سياسة “الحرب بين الحروب” ضد إيران.

  • صراع داخلي: بعض التحليلات لا تستبعد وجود صراع داخلي بين أجنحة النظام الإيراني نفسها، خاصة مع تصاعد التوترات حول مستقبل القيادة السياسية في ظل الوضع الاقتصادي المتدهور والاحتجاجات الشعبية التي تهدد استقرار البلاد.

  • إهمال أمني: من جهة أخرى، تبقى فرضية الإهمال التقني أو الفساد الإداري واردة، خصوصا مع سجل إيران المعروف بضعف معايير السلامة في بعض المنشآت الكبرى، إلا أن ضخامة الانفجار وتوقيته يجعلان من الصعب قبول هذا التفسير وحده دون تمحيص.

أبعاد اقتصادية وأمنية: هل تتكرر تجربة 2020؟

إن ميناء الشهيد رجائي يعد بوابة حيوية لتصدير واستيراد البضائع، وهو مسؤول عن أكثر من 50% من حركة الشحن البحري في إيران. وبالتالي فإن أي اضطراب في عملياته، سواء نتيجة انفجار أو عمليات تخريب، ستكون له آثار كارثية على الاقتصاد الإيراني الذي يعاني بالفعل من عقوبات أميركية خانقة.

كما أن تضرر هذا الميناء قد يوجه ضربة مزدوجة إلى قدرة طهران على الالتفاف على العقوبات عبر موانئها الجنوبية، مما يزيد الضغط عليها خلال مفاوضاتها النووية مع القوى الكبرى.

الأيام القادمة ستكشف الكثير

رغم التصريحات الإيرانية الأولية التي حاولت التقليل من حجم الحادث، فإن المعطيات المتوفرة حتى الآن، سواء من حيث التوقيت أو طبيعة الميناء المستهدف، تجعل من الصعب اعتبار الانفجار مجرد حادث عرضي.

ويبقى السؤال معلقاً: هل هو مجرد حريق في مخزن أم أن ما جرى رسالة مشفرة ضمن صراع إقليمي ودولي مفتوح؟ الأيام القادمة، ومآلات التحقيقات الرسمية، قد تحمل إجابة أو تفتح الباب أمام مزيد من الغموض في مشهد إيراني بات مألوفا بالحرائق والانفجارات الغامضة.

اقرأ أيضًا : “إسرائيل” والهند.. تحالف أمني يتعمق في وجه باكستان تحت غطاء “مكافحة الإرهاب”