أثار رسم كاريكاتيري نشرته مجلة “كومهار” الأيرلندية الحكومية موجة غضب عارمة لدى سلطات الاحتلال الإسرائيلي، بعدما سلط الضوء على الجرائم المرتكبة في غزة، بأسلوب فني صادم، لكنه عكس الحقيقة المروعة التي تتجاهلها كثير من وسائل الإعلام الغربية.
هذا الرسم الذي وُصف بـ”المسيء” من قِبل إسرائيل، يبدو أنه لم يزعجها لأنه يحمل افتراءً، بل لأنه يسلط الضوء على واقع تحاول جاهدة طمسه ودفنه تحت ركام الدعاية والرقابة.

كاريكاتير يفضح جرائم الإبادة
الغلاف الذي نشرته مجلة “كومهار” الأيرلندية – والممولة من قبل الحكومة الأيرلندية عبر منظمة “فوراس نا غايلتاخت” – يصور نجمة داوود مثبتة على سياج من الأسلاك الشائكة، في مشهد يحاكي رمزية الاحتلال والقمع، بينما يظهر زوجان يسترخيان على شاطئ سباحة ملطخ بالدماء، بجواره ذراع مبتورة لرجل، يفصل بينهما وبين الدماء سياج شائك، في دلالة بصرية قوية على انفصال العالم المرفه عن المذبحة الجارية في غزة.
الرسمة لم تكن عشوائية ولا ترفاً فنياً، بل جاءت محملة بدلالات رمزية كثيفة، أرادت أن تصدم القارئ الأوروبي وتوقظه من سباته الأخلاقي، وهو يتابع المجازر اليومية التي ترتكبها قوات الاحتلال في غزة منذ شهور، في ظل صمت دولي مخجل وتواطؤ إعلامي واسع.
هذا الغلاف، رغم بساطته من حيث الوسيلة، كان أقوى من آلاف التصريحات السياسية، وأشد وقعاً من عشرات التحقيقات الحقوقية، لأنه لامس الحقيقة المجردة: أن هناك مجزرة تُرتكب في غزة، والعالم يتفرج.
غضب الاحتلال ومخاوف من كشف المستور
رد فعل الاحتلال الإسرائيلي كان هستيريًا؛ إذ لم تحتمل المؤسسات الإسرائيلية هذا النوع من “التحدي الرمزي”، فسارعت إلى اتهام المجلة بـ”معاداة السامية” و”التحريض”، كما جاء على لسان الحاخام الرئيسي في أيرلندا، يوني فيدر، الذي قال إن الغلاف “يعزز الاعتقاد بأن الخطاب العام حول إسرائيل تحوّل من النقد إلى التشهير”.
لكن اللافت أن هذا الغضب الإسرائيلي يكشف عن وجه آخر للاحتلال: غطرسة القوة، والخوف المزمن من الكلمة الحرة والصورة المؤثرة. فإذا كان الاحتلال يتعامل مع الكاريكاتير بهذه الحساسية، فماذا عن المجازر الحقيقية التي يرتكبها يوميًا في غزة، والتي وثّقتها المنظمات الدولية وشهادات الناجين؟
إن الأزمة التي أثارها الغلاف تكشف أن “إسرائيل” لم تعد تخشى الصواريخ أو المواقف الرسمية، بل تخشى من انكشاف صورتها الزائفة أمام الرأي العام العالمي. صورة الدولة “الضحية” التي بنت عليها مشروعها الاستعماري، بدأت تتآكل تحت وطأة صور الشهداء وأشلاء الأطفال في غزة، ورسومات الكاريكاتير التي تضع مرآة أمام الغرب المزدوج في معاييره.
الحرية الإعلامية في أيرلندا أمام اختبار أخلاقي
اللافت في هذه القضية هو موقف الجهة الممولة للمجلة، وهي منظمة “فوراس نا غايلتاخت”، التي سارعت إلى التأكيد على أنها لا تتدخل في قرارات التحرير، وأن الحرية التحريرية مبدأ أساسي، خاصة في الإعلام الناطق باللغة الأيرلندية. هذه المواقف تعكس احترام أيرلندا لحرية التعبير، رغم الضغوط الصهيونية المتوقعة.
هذا الدعم غير المباشر من الحكومة الأيرلندية، حتى إن كان محدوداً ومحصوراً في التمويل، يضعها في مرمى الانتقادات الإسرائيلية. لكنه من جهة أخرى، يُظهر أن هناك نخبًا إعلامية وثقافية في أوروبا بدأت تكسر حاجز الصمت، وتعيد النظر في سردية الاحتلال، وتُعيد تعريف “العدالة” بعيدًا عن سطوة اللوبيات الصهيونية.
أيرلندا، بتاريخها النضالي ضد الاستعمار البريطاني، تعرف جيدًا ماذا يعني أن تكون مستعمَرًا، وأن يُسلب شعبك أرضه وكرامته. لذلك، فإن مشاعر التضامن الشعبي والرمزي مع فلسطين في هذا البلد ليست جديدة، بل هي امتداد لهوية مقاومة ما زالت حاضرة في الوعي الأيرلندي.
غطرسة الاحتلال أمام رسمة واحدة: إلى أين؟
الانزعاج الإسرائيلي من هذا الكاريكاتير يعكس أزمة أعمق: فكل ما لا تستطيع إسرائيل قصفه أو منعه بالقوة، تعتبره تهديدًا وجوديًا. هذا السلوك يعكس هشاشة السردية الإسرائيلية أمام أدوات التعبير الحرة، من الأغاني إلى اللوحات والكاريكاتيرات، فالفن أصبح ميدانًا جديدًا للمواجهة.
وفي الوقت الذي تُحاصر فيه غزة بالقنابل والتجويع، يبدو أن الاحتلال يريد أيضًا أن يُحاصر ضمير العالم، ويمنع أي محاولة لتصوير الواقع كما هو. لكن هذا النوع من الرقابة لم يعد مجديًا في عصر الإنترنت، ووسائل الإعلام الحرة، والكلمة المقاومة.
ختامًا، فإن ما جرى في أيرلندا ليس مجرد “غلاف مجلة”، بل حدث رمزي يُظهر كيف يمكن لصورة أن تهز كيانًا قائمًا على القمع والتزييف. وإذا كان الكاريكاتير يخيف الاحتلال، فربما علينا جميعًا أن نرسم أكثر.
اقرأ أيضًا : الاحتلال ينهب ركام غزة: نهبٌ ممنهج يعرقل الإعمار ويحوّل الدمار إلى مكاسب