أطلق الممثل الأعلى السابق للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، صرخة تحذير مدوية من تكرار مجزرة سربرينيتسا، التي وقعت في تموز/يوليو 1995، في قطاع غزة، قائلاً: “قبل 30 عامًا لم نمنع الإبادة في سربرينيتسا. واليوم، الإبادة تتكرر في غزة”.
في منشور له على منصة “إكس”، استحضر بوريل مشاهد الإبادة الجماعية التي ارتكبتها قوات صرب البوسنة بحق أكثر من 8000 رجل وطفل مسلم في منطقة أعلنتها الأمم المتحدة “آمنة”، ليوجه أنظار العالم إلى غزة، التي تُباد أمام مرأى العالم اليوم، وبموافقة ضمنية من المجتمع الدولي.
سربرينيتسا، المدينة البوسنية الصغيرة، كانت شاهدًا على فشل العالم في الوفاء بشعارات “لن تتكرر” و”المسؤولية عن الحماية”. واليوم، غزة تقف في الموقع ذاته: منطقة منكوبة، محاصرة، تنهشها آلة حرب إسرائيلية مدمرة، وتُزهق فيها الأرواح بدم بارد، وسط صمت رسمي غربي، وعجز أممي، وتواطؤ عربي مخجل.

من سربرينيتسا إلى غزة: الإبادة تتكرر بتوقيع مختلف
المقارنة بين مجازر البوسنة وجرائم الاحتلال في غزة لم تعد نظرية. في سربرينيتسا، كانت الأمم المتحدة حاضرة بجنودها، ومع ذلك، لم تمنع وقوع الإبادة. اليوم، في غزة، تصدر الأمم المتحدة بيانات “قلق عميق”، وتحصي القتلى، لكنها لا تحرك ساكنًا لوقف نزيف الدم الفلسطيني، رغم أن عدد الضحايا تجاوز عشرات أضعاف ما قُتل في البوسنة.
أكثر من 57,800 شهيد، غالبيتهم من النساء والأطفال، سقطوا في غزة منذ 7 أكتوبر 2023. والعدد في تصاعد يومي. المباني دُمرت، المستشفيات خرجت عن الخدمة، الجوع استشرى، والأمراض تفشت، وتُركت غزة في ظلام دامس من دون غذاء أو ماء أو دواء.
إنها حرب إبادة بكل المقاييس، مدعومة بتكنولوجيا القتل، وبتواطؤ الأنظمة الغربية، التي تموّل وتسلّح وتمنح الغطاء السياسي، بل وحتى القانوني، للاحتلال الإسرائيلي. فبينما تُفرض العقوبات على دول لمجرد انتهاك لحرية التعبير، يُترك الاحتلال ليرتكب جرائم حرب وإبادة جماعية أمام العالم دون مساءلة حقيقية.
صمت عربي.. وشراكة في الجريمة
وسط هذا المشهد الدموي، لا بد من الحديث عن الصمت العربي المريب، إن لم نقل التواطؤ الصريح. الحكومات العربية، من المحيط إلى الخليج، اختارت إما الصمت، أو الاكتفاء بخطابات جوفاء وشعارات تضامنية باهتة. أما بعض الأنظمة، وعلى رأسها نظاما الإمارات والسعودية، فقد ذهبت بعيدًا في تبييض صفحة الاحتلال، عبر التطبيع والتحالفات الأمنية وصفقات السلاح، وكأن شيئًا لم يحدث.
بل إن بعض هؤلاء الحكام، شاركوا بشكل مباشر في محاولات الترويج لـ”حلول تهدئة” تُضفي شرعية على بقاء الاحتلال، وتسوّق فكرة التهجير القسري لسكان غزة، بحجج “الإنقاذ الإنساني”. تمامًا كما كانت بعض القوى الغربية تروج آنذاك لنقل سكان البوسنة تحت ذريعة “حمايتهم”، بينما كان القتل يتم على قدم وساق.
هذا الصمت ليس مجرد موقف سياسي، بل هو شراكة في الجريمة. شراكة بالصمت، وبالمال، وبالتآمر على القضية الفلسطينية، وبفتح الأجواء والموانئ لمن يقتل الأطفال والنساء كل يوم. شراكة في كسر إرادة شعب محاصر منذ أكثر من 17 عامًا، ولا يملك إلا كرامته وسلاحه.
العدالة الدولية تحت المجهر
في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، ووزير حربه السابق يوآف غالانت، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة. لكن هذه المذكرات لا تزال حبرًا على ورق، أمام الحصانة المطلقة التي تمنحها واشنطن وتل أبيب لحكام تل أبيب.
في الوقت ذاته، تنظر محكمة العدل الدولية في دعوى إبادة جماعية رفعتها جنوب إفريقيا ضد إسرائيل، وهو إجراء غير مسبوق في تاريخ الاحتلال. لكن ما جدوى العدالة المتأخرة إن لم توقف المذبحة الجارية؟ وهل سيكتفي العالم مجددًا بعبارة “نعتذر، لم نرَ ذلك قادمًا” بعد أن تنتهي غزة إلى مقابر جماعية كما حدث في البوسنة؟
خاتمة: لا ذرائع بعد اليوم
جوزيب بوريل، رغم تقاعده السياسي، أطلق جرس إنذار لن يغفر العالم لنفسه إن تجاهله مرة أخرى. “أفضل طريقة لتكريم ضحايا سريبرينيتسا”، كما قال، “هي منع إبادة غزة”. فهل يُستجاب لهذا النداء؟ أم سيُضاف شهداء غزة إلى قائمة “الضحايا المنسيين” الذين تركهم المجتمع الدولي ليواجهوا مصيرهم، في صمت مطبق، وتواطؤ موثق؟
غزة اليوم ليست مجرد جغرافيا، بل مرآة لاختبار إنسانية العالم. ومن يختار الصمت، يختار العار.
اقرأ أيضًا : الأزهر ينتفض في وجه “أئمة التطبيع”: زيارة الاحتلال خيانة للأمة وقيم الإسلام