بين شلل شبه تام لحركة الحافلات والمترو، وضغط خانق على سيارات الأجرة ووسائل النقل الخاصة، يعيش التونسيون أيامًا عصيبة بسبب استمرار الإضراب العام في قطاع النقل البري العمومي لليوم الثالث على التوالي.
احتجاج نقابي مشروع على ظروف العمل، تحوّل إلى أزمة مجتمعية واسعة، وسط صمت رسمي مطبق وإجراءات حكومية وُصفت بالهزيلة. ومع دخول البلاد في دوامة من التعطيل، تتجه الأنظار إلى نظام قيس سعيد المتهم بمفاقمة الأزمة عبر مقارباته القمعية وانفراده بالسلطة الذي أطاح بالحوار الاجتماعي.

مشهد مشلول ومعاناة تتفاقم
تشهد العاصمة التونسية وعدد من المحافظات حالة اختناق مروري خانقة، بعد تعطّل شبه كامل لوسائل النقل العمومية التي يعتمد عليها ملايين المواطنين يوميًا للوصول إلى أعمالهم ومدارسهم ومستشفياتهم. الحافلات والمترو اختفت من الشوارع، ومحطات النقل خالية تمامًا إلا من الطوابير الطويلة للمواطنين المنتظرين “فرجًا” من سيارة أجرة أو سيارة خاصة.
ورغم إعلان وزارة النقل عن اتخاذ “إجراءات استثنائية” للحد من تداعيات الإضراب، إلا أن الواقع يثبت العكس، فقد فشلت تلك الإجراءات في تخفيف العبء عن المواطنين، لا سيما من الشرائح الضعيفة التي لا تملك بدائل نقل خاصة، ما جعل البعض يصف الإضراب بأنه “حصار اجتماعي” جديد يضاف إلى الأزمات المتتالية التي تعيشها البلاد.
وفي تصريح، أكد علي السلطاني من محافظة جندوبة أنه اضطر لتأجير سيارة خاصة للتنقل إلى العاصمة رغم تكلفتها المرتفعة، مشيرًا إلى أن وضعه الصحي لم يسمح له بتأجيل موعده الطبي. وقال: “كنا نتمنى لو تم توفير الحد الأدنى من الخدمات خلال الإضراب، لا يجوز معاقبة المواطنين بهذه الطريقة حتى وإن كانت المطالب مشروعة”.
من الاحتجاج المشروع إلى أزمة سياسية
الجامعة العامة للنقل، وهي النقابة المشرفة على الإضراب، أكدت في بيانها أن الخطوة جاءت احتجاجًا على “تدهور ظروف العمل وغياب معايير السلامة المهنية”، في ظل إهمال مستمر من الدولة لقطاع النقل العمومي الذي يعاني من نقص فادح في الأسطول، وتأخر في صرف الأجور، وغياب الصيانة والدعم.
لكن المقلق في الأمر هو غياب أي بوادر حوار جاد مع النقابات، وهو ما يعكس حالة الانغلاق السياسي التي يعيشها النظام منذ انفراد الرئيس قيس سعيد بالحكم وتعطيل مؤسسات الوساطة، وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل.
فقد بات التعامل مع الإضرابات يتم إما بالتجاهل أو التهديد، بدل الإصغاء والتفاوض، ما عمّق من أزمة الثقة بين العمال والحكومة. ويؤكد مراقبون أن الإضراب لم يكن ليتطور إلى أزمة وطنية لولا غياب إرادة سياسية حقيقية لحل المشاكل الهيكلية في القطاع.
وتشير تقارير إلى أن عدة نقابات بدأت تلوّح بخطوات تصعيدية مشابهة، ومنها النقابة الخصوصية للشركة الوطنية للسكك الحديدية، التي أعلنت إضرابًا شاملًا في جميع مقرات العمل نهاية شهر سبتمبر وبداية أكتوبر، ما يُنذر بتوسع رقعة الاحتجاجات في وقت حساس تمر فيه البلاد بأزمة اقتصادية خانقة.
قمع الحريات وتغوّل السلطة
تحت حكم قيس سعيد، لم يعد الإضراب مجرد وسيلة نضالية عمالية بل أصبح أيضًا تحديًا سياسيًا في وجه نظام يتعامل مع كل تحرك اجتماعي باعتباره تهديدًا للأمن القومي. فبدلًا من الحوار، تلجأ السلطات إلى التخويف، وملاحقة الناشطين والنقابيين، ووسم الإضرابات بأنها “مؤامرات”، في إطار ما يصفه كثيرون بـ”عسكرة الحياة المدنية”.
ويعكس ذلك تحوّلًا خطيرًا في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، حيث يتم تجريم الاحتجاجات والضغط على النقابات من خلال تهديدات غير معلنة أو إجراءات تأديبية. هذا المناخ القمعي ساهم في تفاقم الوضع، لأن غياب حرية التفاوض والديمقراطية الاجتماعية يؤدي إلى انسداد الأفق وتحويل كل مطلب مهني إلى معركة وجودية.
وفي ظل هذا الواقع، يتساءل المواطن التونسي البسيط عن الجدوى من استمرار مثل هذا النظام، إذا كان عاجزًا عن توفير أبسط الخدمات، بل ويقمع حتى من يطالب بها. فالإضراب الأخير في النقل، وما رافقه من معاناة، ليس سوى وجه من وجوه الإهمال المتراكم وغياب الاستراتيجية، في بلد تتآكل فيه مؤسسات الدولة ويُفرغ من مضامينه الديمقراطية.
خاتمة:
بين الحقوق النقابية المشروعة، وعجز الدولة عن احتواء الأزمات، وتحويل كل احتجاج إلى مناسبة للتأزيم، يعيش التونسيون وضعًا مقلقًا يهدد بتفجّر اجتماعي قادم. الإضراب الحالي في قطاع النقل هو إنذار مبكر لما يمكن أن تُقدم عليه بقية القطاعات إذا استمر قيس سعيد في تجاهل الأصوات المطالبة بالكرامة والعيش الكريم. فهل تفيق السلطة قبل فوات الأوان، أم تواصل القمع والمكابرة؟
اقرأ أيضًا : أولمرت يفجر مفاجأة: حرب غزة “غير شرعية”.. ونتنياهو مجرم حرب يخفي صفقة تبادل شاملة!