أثارت زيارة رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد إلى مصر جدلاً واسعاً، ليس فقط بسبب توقيتها الحساس وسط أزمات إقليمية معقدة، بل بسبب مشاهد بروتوكولية لافتة بدت أقرب إلى رسائل سياسية مباشرة.
فقد استقبله عبد الفتاح السيسي في مطار العلمين الجديد بحفاوة استثنائية، ورافقه متأبطاً ذراعه، قبل أن يترك له مقعد القيادة في سيارة التشريفة، في مشهد عكس خللاً في قواعد البروتوكول وأوحى للكثيرين بأن السيسي قدّم تنازلاً رمزياً يعكس موازين القوى غير المتكافئة بين القاهرة وأبوظبي.

خرق للبروتوكول: من يقود المشهد؟
المشهد الذي ظهر فيه السيسي إلى جانب ابن زايد، وهو يقود سيارة التشريفة في شوارع العلمين، أثار تساؤلات عديدة: كيف يسمح رئيس الدولة المضيفة للضيف بقيادة السيارة؟ وفق الأعراف الدبلوماسية، المضيف هو من يتولى القيادة لإظهار الودّ وإبراز السيادة.
لكن السيسي بدا وكأنه يتنازل عن دوره لصالح الضيف، الأمر الذي دفع دبلوماسيين سابقين إلى القول إن الصورة حملت “رسائل مقصودة”، لا سيما أن العام الماضي شهد العكس تماماً حين قاد السيسي بنفسه السيارة ومعه ابن زايد كضيف.
معلقون على مواقع التواصل الاجتماعي وصفوا المشهد بأنه “معبر عن الحاكم الفعلي لمصر”، معتبرين أن “من يدفع يقود”. وبذلك لم يعد الأمر مجرد مخالفة بروتوكولية، بل تجسيداً رمزياً للعلاقة غير المتكافئة حيث تظهر الإمارات كطرف ممسك بخيوط الاقتصاد المصري عبر مليارات الدولارات من الاستثمارات والدعم المالي.
الحلف الثلاثي وصورة الوحدة المزعومة
يرى خبراء في العلاقات الدولية أن الحفاوة المبالغ فيها ومشهد مخالفة البروتوكول جاءا للتغطية على التوترات المتزايدة داخل الحلف الثلاثي (مصر – السعودية – الإمارات). ففي الآونة الأخيرة، راجت أنباء عن لقاءات سرية بين مسؤولين سعوديين وشخصيات محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، كما ترددت تقارير عن خلافات بين الرياض والقاهرة حول ملفات إقليمية عدة.
لذلك، حرصت أبوظبي على الظهور بمظهر “الشريك الحميم”، وأوحى المشهد أن العلاقة بين ابن زايد والسيسي أقرب من مجرد تحالف مصالح، بل علاقة تبعية وولاء. وهي رسالة تستهدف الرياض بقدر ما تستهدف الداخل المصري: بأن الإمارات ما زالت متمسكة بالسيسي ولن تسمح بانهياره.
استثمارات إماراتية وهيمنة على الأصول المصرية
بعيداً عن البروتوكول، فإن الإمارات لم تعد مجرد حليف سياسي لمصر، بل تحولت إلى مالك رئيسي في مفاصل الاقتصاد المصري. فمنذ انقلاب 2013، قدم ابن زايد دعماً مالياً تجاوز 40 مليار دولار، بين قروض وودائع ومنح، لكن السنوات الأخيرة شهدت تحوّلاً نوعياً: استحواذات مباشرة على أصول استراتيجية.
صفقة “رأس الحكمة” وحدها بلغت قيمتها 35 مليار دولار، لصالح “أبوظبي القابضة”، لتصبح الإمارات اللاعب الأكبر في الساحل الشمالي. كما سيطرت صناديق إماراتية على حصص في شركات استراتيجية للطاقة والبترول والبتروكيماويات بقيمة تجاوزت 1.8 مليار دولار. هذه الأرقام جعلت مصريين يصفون بلادهم بأنها “تباع قطعة قطعة”، وأن الإمارات تتعامل وكأنها صاحبة الأرض.
تضارب مصالح في ملفات إقليمية
رغم التحالف الوثيق بين السيسي وابن زايد، إلا أن الخلافات في الملفات الإقليمية لا يمكن إخفاؤها. ففي ليبيا، دعمت أبوظبي عسكرياً خليفة حفتر بينما دفعت القاهرة للحل السياسي.
وفي غزة، وُجهت اتهامات للإمارات بأنها جزء من خطط تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، وهو ما تخشاه مصر باعتباره تهديداً مباشراً لأمنها القومي. أما في السودان، فبينما وقفت القاهرة مع الجيش، دعمت تقارير عديدة أبوظبي بتسليح قوات الدعم السريع.
وحتى في ملف سد النهضة، واصلت الإمارات دعمها لإثيوبيا مالياً وعسكرياً، ما ساعدها على المضي في استكمال السد رغم اعتراضات القاهرة.
هذه التباينات تكشف أن العلاقة بين السيسي وابن زايد ليست قائمة على توافق استراتيجي كامل، بل على حاجة النظام المصري الماسة للمال الإماراتي، وهو ما يفسر حالة الإذعان الظاهرة في المشاهد البروتوكولية.
إذلال علني ورسائل للداخل
زيارة ابن زايد، بكل ما حملته من مشاهد “تخلي السيسي عن مكانته”، اعتبرها كثيرون تعبيراً عن “ذلّ سياسي” لا يليق برئيس دولة. فبدلاً من أن يظهر السيسي بمظهر المضيف القوي، ظهر كـ”ضيف في بلده”، يجلس بجوار قائد فعلي يملك المال والأرض.
هذه الصورة تأتي في ظل أزمة اقتصادية طاحنة يواجهها المصريون: تضخم مرتفع، انهيار للعملة، وبيع متسارع لأراضي الدولة وأصولها. بالتالي، فإن حفاوة السيسي المبالغ فيها لم تُقرأ على أنها “إظهار للمودة”، بل على أنها إقرار ضمني بأن من يملك المال يملك القرار.
خاتمة
في النهاية، لا يمكن فصل مشهد قيادة ابن زايد للسيارة في شوارع العلمين عن واقع العلاقة بين القاهرة وأبوظبي. فالمشهد، وإن بدا بروتوكولياً عابراً، حمل دلالات عميقة عن هيمنة المال الإماراتي على القرار المصري، وعن وضع السيسي كرئيس “مرتهن” للدعم الخارجي. إنها ليست مجرد زيارة، بل لوحة سياسية كاملة تجسد كيف تحوّل السيسي إلى منفذ لسياسات تمليها أبوظبي، في مقابل استمرار تدفق الاستثمارات والودائع، ولو على حساب سيادة مصر وأراضيها.
اقرأ أيضًا : تطويق أمني غير مسبوق لمقر اتحاد الشغل في صفاقس.. قمع قيس سعيّد يتصاعد