في خطوة أثارت جدلاً واسعًا حول مستقبل اليمن ووحدته، صرّح رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، بأن بعض سكان محافظتي مأرب وتعز في شمال البلاد عبّروا عن رغبتهم في الانضمام إلى ما وصفه بـ“دولة الجنوب العربي”، التي يسعى المجلس إلى إعلانها ككيان مستقل عن الشمال. تصريحات الزبيدي، التي جاءت في مقابلة تلفزيونية نقلتها وسائل إعلام محلية، اعتُبرت مؤشرًا جديدًا على تصاعد التحركات المدعومة إماراتيًا لإعادة رسم خريطة اليمن السياسي والجغرافي.
“دولة الجنوب العربي”.. حلم إماراتي بواجهة يمنية
أوضح الزبيدي أن “عددًا من سكان مأرب وتعز أبدوا رغبتهم في الانضمام إلى الجنوب”، مؤكدًا استعداد المجلس الانتقالي للتنسيق بشأن إدارة تلك المناطق. وأضاف أن المجلس يمتلك “برنامجًا سياسيًا واضحًا لبناء دولة جنوبية مدنية ديمقراطية فيدرالية تحترم حقوق الإنسان”.
لكن هذه التصريحات لم تُقرأ في سياقها المحلي فحسب، بل أثارت تساؤلات حول دور الإمارات في إعادة إحياء النزعة الانفصالية، خاصة أن الزبيدي يُعد أبرز أدواتها السياسية والعسكرية في الجنوب، ويتلقى دعماً مباشراً من أبوظبي منذ تأسيس المجلس الانتقالي في 2017.
يرى مراقبون أن “مشروع الجنوب العربي” ليس سوى غطاء لمحاولة ترسيخ النفوذ الإماراتي على السواحل الجنوبية اليمنية، الممتدة من عدن إلى المهرة مرورًا بـالمكلا وباب المندب، وهي مناطق ذات أهمية استراتيجية في الملاحة الدولية والتحكم بمضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
من عدن إلى تعز ومأرب.. تمدد سياسي ومشاريع تفتيت
تصريحات الزبيدي جاءت لتضيف بعدًا جغرافيًا جديدًا للتحركات الانفصالية، إذ لم تعد تقتصر على المحافظات الجنوبية التقليدية (عدن، لحج، الضالع، أبين)، بل امتدت إلى محافظات شمالية كـمأرب وتعز، ما يعكس محاولة توسيع النفوذ السياسي تحت شعار “رغبة السكان بالانضمام إلى الجنوب”.
إلا أن محللين اعتبروا هذه الادعاءات محاولة إماراتية لتسويق انفصال تدريجي عبر خطاب شعبي ناعم، يهدف إلى تطبيع فكرة التقسيم وتفكيك الإجماع الوطني حول وحدة اليمن.
في المقابل، يرفض العديد من النشطاء والسياسيين في مأرب وتعز هذه الادعاءات، معتبرين أن الزبيدي لا يمثل سوى مشروعًا إماراتيًا لتقسيم البلاد وإضعافها، خصوصًا في ظل غياب أي مظاهر حقيقية لدعم شعبي في تلك المناطق. كما يرى خصومه أن استخدامه لمصطلح “الجنوب العربي” بدلاً من “اليمن الجنوبي” يعكس مسعى لطمس الهوية اليمنية وبناء كيان جديد خاضع بالكامل للوصاية الخارجية.
علاقات “استراتيجية” مع واشنطن وتل أبيب
في حديثه ذاته، أشار الزبيدي إلى أن “الجنوب تربطه علاقات ممتازة مع الولايات المتحدة الأمريكية”، مؤكداً تطلعه لبناء “شراكة استراتيجية طويلة الأمد مع واشنطن في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية”، مشيداً بالأهمية الجغرافية التي يتمتع بها الجنوب على مضيق باب المندب.
هذه العبارات لم تمر مرور الكرام، إذ فُسرت على أنها رسائل طمأنة للولايات المتحدة حول استعداد المجلس الانتقالي للعب دور “الوكيل الإقليمي” في تأمين الممرات البحرية ومكافحة النفوذ الإيراني في البحر الأحمر، وهو الدور الذي تسعى أبوظبي لتعزيزه لتثبيت حضورها العسكري والاقتصادي في تلك المنطقة الحساسة.
الأخطر من ذلك ما نقلته صحيفة معاريف الإسرائيلية عن الزبيدي، حين قال إن “استقلال الجنوب هو الحل الوحيد للاستقرار في المنطقة”، وإن إقامة دولة جنوبية مستقلة “ستمكن من إقامة علاقات رسمية مع إسرائيل والانضمام إلى اتفاقيات إبراهيم”.
بهذا التصريح، بدا أن المجلس الانتقالي لا يخفي استعداده للتطبيع العلني مع إسرائيل، في انسجام تام مع السياسة الإماراتية التي كانت أول من وقع اتفاق التطبيع عام 2020.
تفكيك اليمن.. من الفيدرالية إلى “الحل بالدولتين”
لم يكتفِ الزبيدي بطرح فكرة الانفصال، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، معلناً أن العلاقة مع الشمال ستكون “قائمة على الاحترام المتبادل بين شركاء مجلس القيادة الرئاسي، حيث نحترم إرادتهم كشماليين وهم يحترمون إرادتنا كجنوبيين”، مشيراً إلى أن هذا المسار “سينتهي بحل الدولتين”.
هذه العبارة أثارت ردود فعل غاضبة في الأوساط اليمنية، إذ رآها سياسيون محاولة لشرعنة مشروع تقسيم اليمن رسميًا تحت رعاية إماراتية، خصوصاً أن “الحل بالدولتين” يتطابق مع الطرح الذي تروج له أبوظبي في كواليس الملف اليمني، لتثبيت كيان جنوبي موالٍ لها يضمن بقاء قواعدها في عدن وسقطرى والمكلا.
ويرى مراقبون أن الزبيدي يحاول تقديم نفسه كزعيم “دولة أمر واقع” تسعى لكسب اعتراف دولي، مستغلاً حالة الضعف والانقسام التي يعيشها الشمال تحت وطأة الحرب مع الحوثيين. لكن هذا الطموح يصطدم برفض داخلي واسع وبمعارضة سعودية صامتة، تخشى من أن يؤدي تقسيم اليمن إلى انفجار أمني إقليمي يصعب السيطرة عليه.
مشروع “الجنوب العربي”.. بوابة نفوذ أم قنبلة انقسام؟
يؤكد خبراء أن الإمارات تستخدم المجلس الانتقالي الجنوبي كذراع سياسية وأمنية لبسط نفوذها على البحر العربي وخطوط التجارة العالمية. فالمشروع لا يتعلق فقط بحق تقرير المصير، بل هو جزء من استراتيجية إقليمية للتحكم بالموانئ والممرات البحرية، من عدن إلى باب المندب وحتى القرن الإفريقي.
أما الحديث عن انضمام مأرب وتعز إلى “الجنوب العربي”، فهو بحسب مراقبين محاولة لتبرير التوسع الميداني والسياسي للانتقالي، وإضفاء شرعية شعبية على مشروع جغرافي لا يملك جذورًا واقعية.
في نهاية المطاف، تبدو تصريحات الزبيدي جزءًا من خطة ممنهجة ترعاها أبوظبي لتقسيم اليمن تحت غطاء سياسي ناعم، مستفيدة من حالة الحرب والانقسام الداخلي، في حين يحذر محللون من أن هذا المسار، إن استمر، سيقود إلى تمزيق الدولة اليمنية نهائيًا وتحويلها إلى كانتونات متصارعة، تُدار بالوكالة عن قوى إقليمية ودولية تتنافس على البحر والموقع والنفوذ.
اقرأ أيضًا : كيف استقبل أهالي غزة رد حماس على خطة ترامب؟