في فصل جديد من سلسلة الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة، أفاد مراسل الجزيرة صباح اليوم الخميس بتعرض بلدة بيت لاهيا ومدينتي غزة وخان يونس لغارات إسرائيلية كثيفة، شملت تنفيذ عملية نسف للمباني في حي التفاح شرقي مدينة غزة، في خرق واضح لاتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الماضي. 

ورغم الادعاءات الإسرائيلية بالالتزام بالتهدئة، فإن الوقائع الميدانية تشير إلى تصعيد ممنهج يستهدف توسيع رقعة الدمار وإحكام السيطرة الميدانية على المناطق التي سبق لجيش الاحتلال الانسحاب منها.

قصف متجدد على مناطق مدنية رغم التهدئة

بحسب مراسل الجزيرة، شن الطيران الحربي الإسرائيلي صباح اليوم عدة غارات على مناطق مأهولة بالسكان في بيت لاهيا شمالي القطاع، إلى جانب استهدافات متفرقة في مدينة غزة وخان يونس. وتزامن ذلك مع تنفيذ قوات الاحتلال عملية نسف منظمة لعدد من المباني في حي التفاح، في خطوة اعتبرها مراقبون جزءا من سياسة الأرض المحروقة التي يتبعها الجيش منذ بدء العدوان.

وتؤكد مصادر إعلامية فلسطينية أن غارة فجر اليوم استهدفت محيط مدرسة أحمد الشقيري في بيت لاهيا، وهي منشأة تعليمية تستقبل مئات النازحين. ويأتي الاستهداف ليضاف إلى قائمة طويلة من المدارس والمراكز الصحية وملاجئ المدنيين التي تعرضت للقصف خلال العامين الماضيين.

ورغم مرور أسابيع على اتفاق وقف إطلاق النار، تقول بيانات حقوقية إن قوات الاحتلال ارتكبت أكثر من 242 شهيداً في مناطق مختلفة من القطاع نتيجة قصف المناطق التي انسحبت منها بموجب اتفاق التهدئة، إضافة إلى إصابة مئات المدنيين.

عمليات نسف ممنهجة في حي التفاح: إعادة إنتاج التكتيكات التدميرية

تمثل عمليات النسف التي ينفذها جيش الاحتلال في حي التفاح تطورا لافتا في الأسلوب العسكري الإسرائيلي، يشبه ما حدث في أحياء واسعة من مدينة غزة خلال الشهور الأولى من الحرب. ويؤكد شهود عيان ومصادر محلية أن قوات الاحتلال تستخدم المتفجرات لهدم منازل بأكملها، حتى تلك التي لا تشكل تهديدا عسكريا، بهدف خلق فراغ ميداني وإجبار السكان على النزوح الدائم.

هذه السياسة، التي وثقتها الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية، تُعد شكلاً من أشكال العقاب الجماعي والتهجير القسري، وتمثل خرقا صارخا للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف.

البحث عن جثث الأسرى الإسرائيليين… أولوية تتقدم على حياة المدنيين

وفي سياق آخر، أظهرت تغطيات الجزيرة أن عملية البحث عن جثث أسرى إسرائيليين شرقي حي الزيتون انتهت مساء أمس على أن تُستأنف صباح الخميس، في المنطقة المعروفة بـ”المنطقة الصفراء”. ونُفّذت العملية عبر فريق مشترك من اللجنة الدولية للصليب الأحمر وكتائب القسام، مدعوما بآليات هندسية لرفع الأنقاض.

وتثير هذه العمليات أسئلة حول ازدواجية المعايير، إذ يولي الاحتلال جهدا هائلا لاستعادة جثث جنوده بينما يواصل قتل المدنيين الفلسطينيين وتدمير منازلهم بلا توقف.

أزمة إنسانية متفاقمة رغم تسارع الاستجابة

على الصعيد الإنساني، أكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن الاستجابة الإنسانية داخل قطاع غزة “تتسارع”، رغم القيود الإسرائيلية المستمرة التي تحول دون الوصول إلى السكان المنكوبين.

وقال المكتب إن إعادة فتح معبر زيكيم شمال القطاع أمام الشحنات الإنسانية تمثل خطوة مهمة، خاصة بعد شهرين من الإغلاق الكامل الذي حرم شمال غزة من أي إمدادات مباشرة. كما أوضح أن الأمم المتحدة أصلحت الطريق الداخلي المؤدي إلى المعبر استعدادا لتفعيله.

لكن البيان الأممي شدد في المقابل على أن العوائق الإسرائيلية “تعطل بشدة” عملية توزيع المساعدات، وأن الشركاء الإنسانيين يضطرون لتقليص كمية الطرود الغذائية بسبب التأخير في التخليص الجمركي والتضييقات اللوجستية على حركة الشاحنات.

إبادة مستمرة: أرقام الكارثة الإنسانية في غزة

منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ترتكب إسرائيل ما تصفه المنظمات الحقوقية الدولية بـ الإبادة الجماعية في قطاع غزة. وتشير آخر الإحصاءات إلى:

  • أكثر من 69 ألف شهيد

     

  • أكثر من 170 ألف جريح
  • 90% من البنية التحتية المدنية مدمرة
  • مئات آلاف النازحين بلا مأوى
  • انهيار شبه كامل للخدمات الصحية والمياه والتعليم

هذه الأرقام وحدها كافية للدلالة على حجم الكارثة التي يتعرض لها السكان، لكن استمرار القصف رغم اتفاق وقف إطلاق النار يؤكد أن الاحتلال يعتمد استراتيجية ممنهجة لترسيخ واقع ديمغرافي جديد في القطاع عبر التهجير والتدمير الواسع.

خلاصة: وقف إطلاق نار على الورق… وعدوان متواصل على الأرض

الهجمات الأخيرة في بيت لاهيا وغزة وخان يونس، وعمليات نسف المباني في حي التفاح، تكشف أن الاحتلال يتعامل مع اتفاق وقف إطلاق النار كغطاء مؤقت يسمح له بإعادة ترتيب قواته وتثبيت وقائع جديدة على الأرض. وبينما تنشغل المنظمات الدولية بمحاولات الإغاثة، يواصل الجيش الإسرائيلي توسيع رقعة الدمار، مستهدفا المناطق السكنية والبنى التحتية الحيوية.

في ظل غياب الضغط الدولي الفاعل، يبدو أن الجرائم الإسرائيلية مرشحة للاستمرار، مما يبقي غزة أمام سيناريوهات مفتوحة على مزيد من الدمار والمعاناة، في وقت لا يزال فيه سكان القطاع يواجهون واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخ المنطقة الحديث.

اقرأ أيضًا : صراع أبناء زايد.. نزاع عائلي على عقارات أوروبية يكشف أسرار ثروة آل نهيان الخفية