تقف السودان اليوم على حافة كارثة إنسانية كبرى، في وقت كشفت فيه تقارير أممية متزامنة عن مشاهد مروّعة من الجوع والنزوح الجماعي والانتهاكات الواسعة التي تشهدها البلاد، خصوصا في إقليم دارفور الذي يشهد أوسع عمليات قتل جماعي منذ عقود.
وفي خلفية هذا الانهيار الإنساني، لا يمكن تجاهل الدور الإماراتي المثير للجدل في مسار الحرب، عبر الدعم المستمر لقوات الدعم السريع، التي يُحمّلها السكان والناجون مسؤولية كبرى عن الانتهاكات الدموية واتساع رقعة المجاعة.

مجاعة فعلية تهدد أكثر من 21 مليون سوداني
في أحدث تحذير أممي، أعلنت الأمم المتحدة أن 21.2 مليون شخص في السودان يقفون الآن أمام شبح الجوع الشديد. وأكّد بيان أممي رسمي أنه تم التحقق من وقوع مجاعة في منطقتين بالفعل، في مؤشر خطير على دخول البلاد مرحلة الانهيار الغذائي الشامل.
وأشارت الأمم المتحدة إلى أنه في بعض المناطق التي خفت فيها حدة القتال تمكن برنامج الأغذية العالمي من توسيع نطاق وصوله، ما أدى إلى انخفاض نسبي في مستويات الجوع، لكن الوضع العام ما يزال في أعلى درجات الخطورة، خصوصًا مع استمرار المعارك في دارفور وعرقلة المساعدات الدولية.
الفاشر.. مدينة مسحوقة بلا شهود
وفي تقرير قاسٍ، كشفت منظمة أطباء بلا حدود عن شهادات مروّعة حصلت عليها من الناجين القادمين من مدينة الفاشر، شمال دارفور، بعد شهر من سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة.
وأوضح التقرير أن الناجين تحدّثوا عن:
-
عمليات قتل جماعي بحق المدنيين
-
تعذيب ممنهج في مقرات احتجاز داخل المدينة
-
خطف مقابل فدية للأهالي الفارين
-
هجمات على الطرق المؤدية للخروج من الفاشر
وأكدت المنظمة أن روايات المرضى “تُظهر وجود أعداد غير معروفة ما تزال مفقودة”، وسط غياب كامل لأي وجود للمؤسسات الدولية داخل المدينة.
وفي منطقة طويلة شمال الفاشر، حيث لجأت المنظمة للعمل في مستشفى بطاقة 220 سريرًا، تم توثيق حالات بتر وإصابات حرب وارتفاع عدد الجرحى بشكل كبير، مع اعتماد آلاف النازحين على مياه تُوزَّع بالحد الأدنى في مخيمات مكتظة.
نزوح متواصل.. ولا أحد يصل إلى الفاشر
أعلنت منظمة الهجرة الدولية أن عدد النازحين من الفاشر والقرى المجاورة بلغ 106,387 شخصًا منذ سيطرة الدعم السريع على المدينة في 26 أكتوبر الماضي.
الأخطر من ذلك، أن المنظمة قالت إنها غير قادرة – إلى جانب كل المنظمات الدولية – على دخول الفاشر، وأن فرقها ما تزال تحاول تحديد أماكن الناجين عبر شهادات متفرقة.
وتشير تقارير المنظمة إلى أن “جزءًا كبيرًا من المدنيين الذين كانوا على قيد الحياة قبل سيطرة الدعم السريع قد قُتلوا أو احتُجزوا أو مُنعوا من الهرب إلى أماكن آمنة”.
وتُحذّر الأمم المتحدة من أن الخدمات الموجودة في منطقة طويلة مثقلة بالفعل بأكثر من 650 ألف نازح، من بينهم 380 ألفًا نزحوا فقط منذ هجوم الدعم السريع على مخيم زمزم في أبريل 2025.
دارفور.. مركز الكارثة الأخطر
ترى منظمات دولية أن الوضع في شمال دارفور لم يعد أزمة إنسانية فحسب، بل كارثة إبادة جماعية صامتة، حيث تتعرض العائلات للقتل الجماعي، وتتضاعف أعداد المفقودين، وتتفشى الأمراض وسط غياب كل مقومات الحياة.
وقالت مريم لعروسي، منسقة الطوارئ في أطباء بلا حدود بدارفور، إن “الظروف المعيشية داخل مخيمات طويلة محفوفة بالخطر، الناس يصلون في حالة يُرثى لها إلى مكان لا يملك أي موارد لتلبية احتياجاتهم الأساسية”.
الحرب التي خلّفت 13 مليون مشرّد
أدّت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، المستمرة منذ أبريل 2023، إلى:
-
مقتل عشرات الآلاف
-
تشريد 13 مليون شخص
-
تفكك مؤسسات الدولة
-
انهيار الاقتصاد والبنية التحتية
ومن أصل 18 ولاية سودانية، تسيطر قوات الدعم السريع – المدعومة إقليمياً – على الولايات الخمس في دارفور باستثناء أجزاء بسيطة شمالًا، بينما يحتفظ الجيش بسيطرته على 13 ولاية.
الإمارات.. اسم يتكرر في خلفية المأساة
رغم نفيها المتكرر، يربط مسؤولون أمميون وتقارير دولية عديدة بين استمرار الحرب في دارفور وبين الدعم العسكري واللوجستي الذي تتلقاه قوات الدعم السريع عبر شبكات إقليمية، تتصدرها الإمارات بحسب وثائق أممية مسرّبة وتقارير خبراء مجلس الأمن.
ويشير مراقبون إلى أن هذا الدعم ساهم في:
-
تعزيز قدرة الدعم السريع على شنّ الهجمات
-
استمرار حصار المدن وعرقلة وصول المساعدات
-
زيادة وتيرة القتل الجماعي والتهجير
ويذهب محللون إلى أن الإمارات تحاول فرض نفوذ استراتيجي عبر دعم مجموعات مسلحة في السودان، ما يجعلها طرفًا غير مباشر في تفاقم الكارثة الإنسانية، خصوصا مع تزايد الاتهامات المتعلقة بتهريب الأسلحة عبر مسارات معروفة في شرق أفريقيا.
كارثة تتسع.. والعالم يتفرج
المشهد في السودان لم يعد مجرد أزمة داخلية، بل مأساة إقليمية مكتملة الأركان. المجاعة تنتشر، والقتل الجماعي موثّق، والنزوح يتواصل، والمجتمع الدولي يكتفي ببيانات القلق.
وفي ظل صمت دولي وتورط أطراف إقليمية، يبدو أن السودان يعيش أسوأ فصوله الإنسانية منذ عقود، بينما يظل ملايين المدنيين بلا غذاء أو دواء أو حماية، محاصرين بين الجوع والرصاص.
اقرأ أيضا : الاحتلال يواصل إجرامه في الفارعة وجنين.. وصمت عباس يفتح شهية العدوان