في تطور يكشف حجم الارتباك داخل المنظومة السياسية والأمنية الإسرائيلية بعد انتهاء الحرب على غزة، قالت صحيفة “إسرائيل اليوم” إن تل أبيب قد تجد نفسها – رغم المعارضة الشرسة من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو – أمام خيار النظر في السماح بدخول قوات تركية ضمن “قوة الاستقرار الدولية” التي تسعى واشنطن لتشكيلها.

هذا الاحتمال، الذي كان حتى أسابيع قليلة يمثل “خطاً أحمر” لدى الحكومة الإسرائيلية، بدأ يطلّ من جديد تحت ضغط الواقع السياسي والأمني الذي تواجهه إسرائيل، وتعثر الجهود الأميركية في بناء القوة الدولية المفترضة لإدارة مرحلة ما بعد الحرب.

فراغ أمني وسياسي يفتح الباب أمام أنقرة

بحسب الصحيفة العبرية، فإن مرور أكثر من شهرين على انتهاء العمليات العسكرية دون التوصل إلى بنية متماسكة للقوة الدولية، خلق فراغاً أمنياً وسياسياً بالغ الخطورة في غزة، وهو ما تستغله تركيا لإعادة طرح نفسها لاعباً رئيسياً في الملف.

وترى الصحيفة أن إصرار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على المشاركة ليس مجرد خطوة رمزية، بل تحرك استراتيجي لانتزاع موقع سياسي في المعادلة الجديدة يتيح لتركيا التأثير على مستقبل غزة، وربما على المسار الفلسطيني–الإسرائيلي بأكمله.

ورغم أن تركيا كانت – إلى جانب أذربيجان وقطر وأطراف أوروبية – ضمن الدول المرشحة للمساهمة في القوة الدولية، فإن نتنياهو استخدم منذ البداية حق الفيتو ضد دخول أي قوات تركية، متهماً أنقرة بعلاقات مع جماعة الإخوان المسلمين، وتعاطف مع حماس، و”خطاب معادٍ للسامية”.

لكن المعطيات الجديدة تجعل هذا الرفض أقل صلابة مما كان عليه.

ارتباك أميركي وتسرّع ترامب

تلفت “إسرائيل اليوم” في تحليلها إلى أن أحد أسباب إعادة طرح السيناريو التركي هو ما وصفته بـ**”تسرّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب”** في إعلان خطته لتشكيل قوة الاستقرار الدولية قبل تأمين توافقات سياسية حقيقية.

فالولايات المتحدة، حسب الصحيفة، دفعت بالخطة إلى العلن بشكل متعجل، دون ضمان موافقة الدول المشاركة أو معالجة حساسيات الأطراف، وعلى رأسها إسرائيل.

ورغم أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أكد لاحقاً أن واشنطن “لن تجبر إسرائيل على إشراك دول لا ترغب بها”، فإن الواقع على الأرض يضع إدارة ترامب في موقف لا تُحسد عليه: فالقوة الدولية لم تتشكل، والدول المرشحة مترددة، والفراغ الأمني يتوسع.

هذا الارتباك الأميركي يمنح تركيا فرصة لإعادة فرض نفسها. فأنقرة، وفق الصحيفة، تضغط بلا توقف للمشاركة، مدفوعة باعتبارات نفوذ إقليمي ورغبة في لعب دور مباشر في الملف الفلسطيني، لا سيما بعد رفض إسرائيل أي دور سياسي لتركيا خلال سنوات الحرب.

أذربيجان تتراجع.. وفرصة إضافية لتركيا

من التطورات التي أشارت إليها الصحيفة أيضاً هو أن أذربيجان، التي كانت ضمن أبرز المرشحين للمساهمة بقوات في غزة، لم تتخذ قراراً نهائياً بعد بحسب تصريحات وزير خارجيتها جيهون بيراموف.

هذا التريث الأذري يضع مزيداً من الضغط على الولايات المتحدة، ويجعل “السلة المتاحة” من الدول المشاركة أقل وزناً وأضعف قدرة على ملء الفراغ.

وفي المقابل، تقدم تركيا نفسها كقوة عسكرية جاهزة ومنضبطة، قادرة على الانتشار السريع، وتملك خبرة طويلة في العمليات عبر الحدود، سواء في شمال سوريا أو شمال العراق أو في البحر المتوسط.

وبالتالي فإن أنقرة تقول لواشنطن – بصورة غير مباشرة – إنها الطرف الوحيد القادر على سدّ الفجوة الحالية، إن كانت الولايات المتحدة جادة في فرض نموذج “الاستقرار الدولي” بغطاء سياسي إقليمي.

نتنياهو بين الرفض السياسي والضغوط الدبلوماسية

المعادلة الأكثر تعقيداً هنا هي موقع نتنياهو. فهو من جهة يرفض تماماً أي دور تركي في غزة، ويقدّم لأميركا رواية تدّعي أن أردوغان “متعاطف مع حماس” وأن دخول قوات تركية سيحوّل القوة الدولية إلى عنصر ضغط على إسرائيل وليس وسيلة لضبط الأمن.

ومن جهة ثانية، لا يستطيع نتنياهو تجاهل التحولات السياسية التي تتسارع حوله:

  • واشنطن عاجزة عن حشد دول كافية للمشاركة.

  • الدول الأوروبية تريد ضمانات سياسية غير متاحة.

  • الدول العربية ترفض نشر قوات داخل غزة دون مسار سياسي واضح.

  • تركيا تتحرك بقوة وتقدم نفسها كبديل جاهز.

وبحسب الصحيفة، فإن استمرار هذا التعثر سيضع إسرائيل أمام ضغوط دبلوماسية حقيقية، ليس من واشنطن فقط، بل من الأمم المتحدة ودول أوروبية ترى أن الفراغ الأمني سيستمر ما لم يتم إشراك تركيا أو دول ذات وزن مشابه.

سيناريو القبول: “خيار على الطاولة”

تقول “إسرائيل اليوم” إن قبول تل أبيب بمشاركة قوات تركية لا يزال مستبعداً في اللحظة الراهنة، لكن مع ذلك، فإن السيناريو لم يعد مستحيلاً.

فالصحيفة تشير إلى أن استمرار تعثر تشكيل القوة الدولية، وغياب توافق سريع، قد يضع صناع القرار في إسرائيل أمام حقيقة بسيطة: إما القوة التركية وإما استمرار الفوضى الأمنية في غزة.

وتختم الصحيفة تحليلها بالتأكيد على أن هذا السيناريو – حتى إن رفضه نتنياهو – سيبقى “خياراً مطروحاً على الطاولة”، وربما الخيار الوحيد الذي يمكن لواشنطن الدفاع عنه إذا فشلت محاولاتها لضم دول أخرى.

اقرأ أيضًا : لوموند: إسرائيل تفرض نظامًا غير مسبوق من الإرهاب في الضفة الغربية