تحولت شوارع العاصمة الهولندية أمستردام، خلال عطلة نهاية الأسبوع، إلى ساحة صدام مفتوحة بين الشرطة ومتظاهرين احتجوا على إقامة حفل موسيقي لمغنٍ يخدم في جيش الاحتلال الإسرائيلي، في مشهد يعكس حجم التوتر المتصاعد داخل المجتمعات الأوروبية على خلفية الحرب المستمرة على قطاع غزة. وأعلنت الشرطة الهولندية اعتقال 22 شخصًا بعد مواجهات اندلعت قرب قاعة “كونسيرت خيباو” الشهيرة، حيث كان من المقرر إحياء حفل بمناسبة عيد “الحانوكا” اليهودي، يقوده شاي أبرامسون، المعروف بقيادته الترانيم والصلوات داخل جيش الاحتلال.

قمع أمني واعتقالات

وبحسب بيان رسمي، تدخلت الشرطة “عدة مرات” لإبعاد المتظاهرين والحفاظ على النظام العام، قبل أن تتصاعد المواجهات مع إطلاق قنابل دخانية، ما دفع شرطة مكافحة الشغب لاستخدام الهراوات لتفريق المحتجين. وأسفرت الأحداث عن إصابة أحد عناصر الشرطة بجروح طفيفة، فيما شملت الاعتقالات اتهامات بمخالفة قوانين التجمع العام، وحيازة ألعاب نارية، ومقاومة الاعتقال. وتجمع مئات المحتجين منذ السبت قرب القاعة، رافعين شعارات تندد بجيش الاحتلال وتطالب بوقف “تبييض جرائمه عبر الفن”.

فن أم دعاية عسكرية؟

الجدل لم يكن فنيًا بحتًا، بل سياسيًا بامتياز. فشاي أبرامسون لا يُنظر إليه كمغنٍ مستقل، بل كشخصية مرتبطة مباشرة بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، ما دفع المحتجين لاعتبار الحفل شكلًا من أشكال الدعاية غير المباشرة لجيش متهم بارتكاب جرائم حرب في غزة. ورغم إلغاء مشاركته في الحفل العام بعد الظهر، إلا أن المنظمين لجؤوا إلى حل وسط باستبداله بحفلين مسائيين خاصين، ما زاد من حدة الغضب واعتبره المحتجون التفافًا على الضغط الشعبي.

الحكومة الهولندية في مرمى الانتقادات

الصدامات أعادت إلى الواجهة الجدل حول موقف الحكومة الهولندية الداعم للاحتلال الإسرائيلي. فعلى الرغم من تصاعد التقارير الحقوقية الدولية التي تتهم تل أبيب بارتكاب إبادة جماعية في غزة، واصل المسؤولون الهولنديون التأكيد على “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، إلى جانب استمرار التعاون العسكري والتجاري معها. ويرى ناشطون أن تعامل الشرطة العنيف مع المتظاهرين يعكس ازدواجية المعايير، حيث تُقمع الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين، بينما يُسمح بفعاليات يُنظر إليها كتبرير أو تلميع لجيش الاحتلال.

سياق سياسي داخلي متغير

تأتي هذه الأحداث في وقت يشهد فيه المشهد السياسي الهولندي تحولات لافتة. فوفق محللين، كانت إسرائيل من أبرز الخاسرين في الانتخابات العامة المبكرة التي جرت في 29 تشرين الأول/أكتوبر 2025، بعد تراجع حزب “الحرية” اليميني المتطرف بقيادة خيرت فيلدرز، المعروف بدعمه غير المشروط للاحتلال. هذا التراجع عكس تنامي حالة السخط الشعبي تجاه السياسات المؤيدة لإسرائيل، خصوصًا بين فئات الشباب واليسار والحركات الحقوقية.

غزة في قلب الغضب الأوروبي

الاحتجاجات في أمستردام لا يمكن فصلها عن المشهد الأوسع للحرب على غزة. فمنذ بدء المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، واصلت دولة الاحتلال خرق الاتفاق بشكل شبه يومي، ما أسفر عن سقوط مئات الشهداء. كما خلفت الحرب التي اندلعت في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023 واستمرت لعامين، أكثر من 70 ألف شهيد فلسطيني، ونحو 171 ألف جريح، إضافة إلى تدمير ما يقارب 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية، وفق تقديرات فلسطينية ودولية.

أوروبا بين الشارع والحكومات

تكشف أحداث أمستردام عن فجوة متسعة بين الشارع الأوروبي وحكوماته. ففي حين تتبنى قطاعات واسعة من الرأي العام خطابًا متضامنًا مع الفلسطينيين، وتضغط لوقف الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل، تواصل حكومات، بينها الهولندية، الاصطفاف إلى جانب تل أبيب بدعوى الالتزامات الاستراتيجية والتاريخية. ويرى مراقبون أن هذه الفجوة مرشحة للتوسع، مع انتقال الاحتجاجات من الشارع إلى ساحات السياسة والانتخابات.

أزمة حرية التعبير أم اختبار أخلاقي؟

في المحصلة، لم تكن صدامات أمستردام مجرد احتجاج على حفل موسيقي، بل اختبارًا أخلاقيًا وسياسيًا لحرية التعبير في أوروبا، وحدود دعم الحكومات لإسرائيل في ظل حرب توصف على نطاق واسع بأنها إبادة جماعية. وبينما تحاول السلطات احتواء الغضب أمنيًا، يبدو أن جذور الأزمة أعمق، وترتبط بسؤال بات ملحًا: إلى متى تستطيع الحكومات الأوروبية تجاهل أصوات شعوبها في قضية فلسطين؟

اقرأ أيضًا : فيضانات مفاجئة تحصد الأرواح في المغرب: كلفة اهتراء البنية التحتية