تشهد الدولة المصرية خلال الشهور الأخيرة تصاعدًا لافتًا في حدة الصراعات بين مكوناتها المؤسسية، من الهيئات القضائية إلى الأجهزة الأمنية، وصولًا إلى المهن القانونية والشارع العام، في مشهد غير مسبوق من الخلافات التي لم تعد حبيسة الغرف المغلقة، بل باتت تطفو على السطح وتُدار في العلن. ويرى مراقبون أن هذا التراكم يعكس خللًا بنيويًا في علاقة السلطة بمؤسساتها، وتغليبًا لمنطق السيطرة والمغالبة على حساب الشراكة والتوازن الدستوري، في وقت تعاني فيه البلاد من أزمة ثقة عميقة بين الدولة والمجتمع.
![]()
أزمة النيابة والمحامين: كسر هيبة الشراكة
أحدث حلقات هذا الصراع تمثلت في الأزمة التي اندلعت بين المحامين والنيابة العامة على خلفية واقعة “نيابة النزهة”، حين جرى طرد عدد من المحامين من أمام مكتب مدير النيابة، مع توجيه ألفاظ اعتُبرت مهينة، قبل التحفظ على اثنين منهم والتحقيق معهما. تطورت الأزمة سريعًا إلى وقفات احتجاجية وحملات غضب واسعة، انتهت باعتذار نقابة المحامين، وهو ما فُسّر من قِبل قطاع واسع من المحامين باعتباره انكسارًا جديدًا لدور النقابة وتسليمًا لإرادة الطرف الأقوى. هذه الواقعة، وفق متابعين، لم تكن مجرد خلاف مهني، بل تعبيرًا عن اختلال ميزان القوة داخل منظومة العدالة، حيث تُدار الأزمات بمنطق السلطة لا القانون.
القضاة والأكاديمية العسكرية: من يملك قرار التعيين؟
في موازاة ذلك، انفجر صراع آخر بين نادي القضاة والأكاديمية العسكرية حول ملف تعيين وكلاء النيابة وترقيات القضاة، بعد تسريبات تحدثت عن نزع هذا الاختصاص من الهيئات القضائية. ردّ القضاة جاء حادًا عبر الدعوة لجمعية عمومية غير عادية، وتسريب كشوف التعيينات في محاولة لفرض الأمر الواقع. هذه الأزمة كشفت، بحسب مراقبين، عن مساس مباشر باستقلال القضاء، وتحويل ملفات سيادية حساسة إلى أدوات صراع بين مؤسسات يفترض أنها تعمل داخل إطار دستوري واضح.
الشرطة والجيش: صدامات مكتومة
ولم يقتصر الصراع على المؤسسات القضائية، إذ تكررت حوادث الاحتكاك بين ضباط الجيش والشرطة، كان أبرزها ما جرى في الإسماعيلية، حين تطورت مشادة فردية إلى أزمة كادت تنفلت أمنيًا بعد حصار قسم شرطة من قبل قوة عسكرية. ورغم التكتم الإعلامي، إلا أن تسريب تفاصيل الواقعة أعاد طرح تساؤلات حول حدود الصلاحيات، وتآكل الانضباط المؤسسي في ظل غياب قواعد واضحة لإدارة الخلافات بين الأجهزة المسلحة.
معارك الأجهزة على البرلمان
الانتخابات البرلمانية مثلت بدورها ساحة صراع مفتوحة بين الأجهزة السيادية المختلفة، حيث تنافست أذرعها السياسية على المقاعد، قبل أن يتدخل رأس النظام لفرض تسوية قسّمت “كعكة البرلمان” بين الأطراف المتنازعة. هذا المشهد، الذي استمر لأشهر، عكس تحوّل البرلمان من مؤسسة تمثيلية إلى مساحة نفوذ تُدار بمنطق الحصص، بما يفرغ العملية السياسية من مضمونها.
القضاة والنيابة الإدارية: تبادل الاتهامات
وفي أزمة أخرى، تبادلت الهيئات القضائية الاتهامات بشأن مسؤولية الإشراف على الانتخابات، حيث تنصل نادي القضاة من الخروقات، وألقى بالمسؤولية على هيئات قضائية أخرى، لترد الأخيرة ببيانات حادة تتهم النادي بالنرجسية. هذا التراشق العلني، وفق قانونيين، أسهم في تقويض صورة القضاء أمام الرأي العام، وأضعف ما تبقى من الثقة الشعبية في منظومة العدالة.
الشارع والمغتربون: اتساع دائرة الاحتقان
على مستوى الشارع، لا تزال وقائع الاعتداءات الأمنية، وما يتبعها من احتجاز وتعذيب، تغذي حالة الغضب المجتمعي. وزاد من حدة الاحتقان قرار حكومي بإلغاء الإعفاء الجمركي على هواتف المصريين القادمين من الخارج، ما فجّر غضب ملايين المغتربين، وفتح الباب لدعوات بوقف التحويلات الدولارية، في مؤشر خطير على تصدع العلاقة بين الدولة وأحد أهم مصادر النقد الأجنبي.
منطق المغالبة لا الدولة
يرى سياسيون ومحللون أن القاسم المشترك بين كل هذه الأزمات هو إدارة الخلافات بمنطق أمني وإداري، لا بمنطق دستوري ومؤسسي. فبدل الاحتكام للقانون، يجري تغليب الأقرب للسلطة، ما يعمّق الصراعات ويحولها إلى معارك صفرية. ويؤكدون أن استمرار هذا النهج يهدد بتفكيك ما تبقى من توازن داخل الدولة، ويحوّل مؤسساتها إلى جزر متناحرة.
خلاصة المشهد
الصراعات المتصاعدة بين المحامين والقضاة والشرطة والجيش، ومعها الأزمات مع المجتمع والمغتربين، تكشف عن أزمة حكم عميقة في عهد عبد الفتاح السيسي، عنوانها غياب الشراكة، وتآكل استقلال المؤسسات، وتحويل الدولة إلى ساحة صراع نفوذ. ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا المسار لا يقود إلا إلى مزيد من التفسخ وفقدان الثقة، مؤكدين أن استقرار الدول لا يُبنى بتغليب جهاز على آخر، بل بإعادة الاعتبار للقانون، واحترام الدستور، وضمان توازن حقيقي بين مكونات الدولة والمجتمع.
اقرأ أيضًا : مغاربة يحرقون العلم الإسرائيلي قرب الحدود الجزائرية… غضب شعبي يتحدى التطبيع الرسمي